
مؤيد الأمين
السؤال الذي يشغل وجدان غالبية السودانيين اليوم ليس متى ستتوقف الحرب، بل كيف ستتوقف، ولصالح من. فالحرب، مهما طالت، ستنتهي حتمًا، لكن الخوف الحقيقي يكمن فيما بعدها: هل تنجلي معها أحلام عودة الكيزان، أم يعاود هذا السرطان التغلغل في جسد الوطن بأشكال جديدة، وبواجهات مختلفة؟
التجربة السودانية علّمت الشعب درسًا قاسيًا؛ أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة وقف المؤامرة. فكم من مرة توقفت البنادق لتبدأ معركة أخطر في الغرف المغلقة، حيث تُصاغ التسويات على حساب دماء الضحايا، وتُعاد تدوير الوجوه ذاتها التي لفظتها الثورة. لهذا، ليس غريبًا أن يفضّل كثير من السودانيين، بمرارة، قسوة الحرب على عودة الكيزان إلى السلطة، لأنهم يدركون أن حكمهم يعني حربًا أطول عمرًا، لكنها أقل ضجيجًا وأكثر تدميرًا.
السؤال الجوهري هنا: هل ستتوقف الحرب بإرادة الشعب، أم بإرادة الرباعية؟ الواقع يقول إن الرباعية، ومن خلفها الدول البراغماتية، لا تنظر إلى السودان من زاوية أحلام شعبه، بل من زاوية مصالحها الضيقة. هذه الدول لا يهمها من يحكم، بقدر ما يهمها من يضمن الاستقرار الشكلي، حتى لو كان فوق أنقاض دولة فاشلة، أو تحت سلطة قمعية تعيد إنتاج الاستبداد.
هنا يظهر التناقض الصارخ: دول تدّعي دعم السلام، لكنها في الخفاء تغذي أطراف الحرب. مصر، التي يُنظر إليها كحليف تقليدي، ما زالت متهمة بدعم الكيزان سياسيًا وأمنيًا، والإمارات، التي ترفع شعارات الاستقرار، تُتهم بدعم الدعم السريع. هذا الاصطفاف المزدوج ليس صدفة، بل جزء من لعبة إقليمية هدفها كسر إرادة الثورة، وإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يخدم مصالح الخارج، لا تطلعات الداخل.
الشعب السوداني ليس غافلًا عن هذه اللعبة. لكنه، في لحظات معينة، يتغاضى عنها مؤقتًا، لا عن سذاجة، بل عن رغبة يائسة في إيقاف نزيف الدم. غير أن هذا التغاضي لا يعني القبول، ولا يمنح الشرعية. فالتاريخ القريب أثبت أن الشارع السوداني قد يصبر، لكنه لا ينسى، وقد يتراجع خطوة، لكنه لا يستسلم.
كل ما جرى من جلسات واتفاقات ومبادرات سلام لم يكن بريئًا بالكامل. كثير منها استُخدم كورقة ضغط، لا لإنهاء الحرب، بل لفرض تنازلات متتالية على القوى المدنية، ولفرز من هو “الأكثر طواعية” لنيل الدعم الخارجي. في هذا السياق، لم يكن السلام هدفًا، بل أداة ابتزاز سياسي، يُكافأ فيها من يتنازل أكثر، ويُقصى من يتمسك بإرادة الشارع.
ما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة، بل نتاج تخطيط عميق، استثمر في طيبة الشعب، وفي ميل بعضه للانقياد خلف الشعارات الفضفاضة والعبارات المنمقة. لكن، ورغم كل شيء، يدرك غالبية السودانيين أن هؤلاء لا خير فيهم للوطن، وأن عودتهم، بأي صيغة، تعني مصادرة المستقبل، لا إنقاذه.
إن حلم الشعب السوداني بدولة مدنية عادلة سيظل العائق الأكبر أمام طموحات الداخل الفاسد والخارج المتواطئ. قد تتغير الأدوات، وقد تُبدّل الواجهات، لكن جوهر الصراع سيبقى واحدًا: إرادة شعب يريد أن يحكم نفسه، في مواجهة قوى تريد أن تحكمه بالوكالة.
ما بعد الحرب سيكون اختبارًا حاسمًا. فإما أن تنتصر الإرادة الشعبية، وتُغلق صفحة الكيزان إلى الأبد، أو يُفرض سلام زائف، يعيد إنتاج الأزمة، ويمهّد لانفجار قادم. وفي كل الأحوال، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الشعب، لأنه وحده القادر على كسر هذه الدائرة، مهما طال الزمن.




