
حامد نحوله
في خضم النضال الهامش السوداني الطويل من أجل الحرية والاستقلال، تبرز معركة الوعي كحجر الزاوية الذي تُبنى عليه جميع المعارك الأخرى. فهي ليست مجرد معركة ثانوية أو تكميلية، بل هي الجذر الذي تتفرع منه أغصان البناء والتحرر.
فكيف يمكن لشعب أن يبني سودانه المستقل إذا لم يحسم أولاً رؤيته لهويته، ولتاريخه، ولمستقبله، ولوسائل تحقيقه؟
الوعي: البنية التحتية للثورة والبناء
ما نعنيه بـ “معركة الوعي” هو ذلك الصراع الفكري والثقافي الذي يحدد وعي الأفراد والجماعة بطبيعة مشروعهم التحرري، وأهدافه، ووسائله، وتضحياته. إنه عملية بناء الهوية السودان الجديد الواضحة القادرة على تمييز الصديق من العدو، والحق من الباطل، والأساسي من الثانوي .
دون هذا الوعي الحاسم، تصبح التضحيات الجسام التي يقدمها الشعب السودان في الهامش العريض مجرد أحداث متناثرة بلا سياق يربطها، وبلا اتجاه يحفظ قيمتها ويواصل مسارها .
ثمن إهمال معركة الوعي …
عندما تُهمل معركة الوعي، أو تُترك للصدفة ولتأثيرات القوى المضادة، فإن الفوضى تصبح هي سيدة الموقف تتشتت الجهود، وتتبدد الطاقات في مسارات متضاربة، وتضيع البوصلة التي ترشد إلى الهدف. وفي هذه الحالة، حتى أعظم التضحيات يمكن أن تذهبَ هباءً منثوراً، لأنها تفتقد إلى الإطار الفكري الذي يحولها من أفعال فردية أو جماعية آنية إلى خطوات متراكمة في مسيرة التحرر والبناء .
الوعي كسلاح مقاومة وبناء …
في السياق السوداني الجديد ، يلعب الوعي دوراً مزدوجاً:
1. كسلاح النضال : فالشعب الواعي بقضيته العادلة، وبحقه الثابت في أرضه، وبزيف الروايات المضادة، هو شعب يصعب هزيمته .
هذا الوعي يحفظ الذاكرة الجمعية، ويقوي الصمود، ويخلق مناعة ضد محاولات طمس الهوية والتاريخ.
2. كأساس للبناء: لا يمكن بناء دولة جديدة مستقلة دون رؤية واضحة لمكونات هذه الدولة: نظامها السياسي، هويتها الحضارية، مشروعها الاقتصادي، وعلاقتها بإقليمها وعالمها وهذه الرؤية لا تولد من فراغ، بل هي ثمرة لوعي جماعي يُصاغ عبر الحوار الهامش السوداني، والنقاش المستنير، والتربية الأصيلة .
نحو حسم معركة الوعي …
إن حسم معركة الوعي يتطلب جهداً وطنياً شاملاً:
تعزيز التعليم الوطني الجديد الذي يغرس الانتماء والحقوق التاريخية و حماية الروايةالسودانية الجديدة من التشويه والنسيان وتشجيع الحوار الداخلي البناء الذي يوحد الرؤى دون أن يلغي التعددية وربط الأجيال الجديدة بذاكرة الشعب ونضاله عبر وسائل إبداعية معاصرة و مواجهة محاولات التضليل الخارجية والداخلية بخطاب عقلاني مقنع وفي النهاية، إن معركة الوعي هي المعركة الأم التي تُهزم فيها الهزيمة نفسها فهي التي تحول الشعب من مجرد كتلة بشرية إلى أمة قادرة على تحديد مصيرها وكما أن البناء يحتاج إلى مخطط هندسي دقيق قبل وضع حجر الأساس، فإن بناء الدولة المستقلة يحتاج إلى “مخطط وعي” يجمع الشتات الفكري ويوحد الرؤى ويضيء الطريق.
لذلك، فإن أي إستراتيجية للتحرر الوطني والبناء لا تضع معركة الوعي في صلب أولوياتها، هي إستراتيجية قاصرة، تخاطر بضياع التضحيات وبتأجيل الحلم فالحرية تبدأ في العقل أولاً، ومن هناك تنتقل إلى الأرض، لتبني عليها وطناً يستحق كل ما قدم من أجله .




