رأي

بندقية الثورة

فحيح الافعي محمد البخيت

 

 فحيح الافعي محمد البخيت 

في غمرة التحولات العاصفة التي تعصف بوطننا الحبيب، السودان، تبرز الحاجة الملحة إلى صوتٍ يصدح بالحق، ويدعو إلى يقظةٍ شاملةٍ تستلهم من عمق المجتمع نبضها، وتستمد من آمال الجماهير وقودها. إنها دعوةٌ لدعم بندقية الثورة، لا بالمعنى الحرفي للسلاح، بل بالمعنى الرمزي للقوة الفكرية والوعي المتجذر الذي لا يلين أمام التحديات.

إن المرحلة الراهنة تقتضي منا نزولاً حقيقياً إلى عمق المجتمع إلى القرى والمدن، إلى الأحياء والفرقان، حيث تتجلى معاناة الناس وتتراكم تساؤلاتهم. فالثورة الحقيقية لا تولد في الأبراج العاجية، بل تنبع من رحم المعاناة الشعبية، وتتغذى على تطلعات البسطاء. ومن هنا، يصبح بث التوعية عبر الندوات السياسية والفكرية ركيزة أساسية لا غنى عنها. هذه الندوات ليست مجرد تجمعات خطابية، بل هي فضاءات للحوار البناء، لتبادل الأفكار، ولتفكيك الخطاب المضلل الذي طالما أبعد الجماهير عن حقيقة قضاياها.

ولا يكتمل هذا المسعى إلا بتقديم محاضرات وافية عن ميثاق السودان التأسيسي ودستور دولة السودان الجديد . فالمعرفة هي السلاح الأمضى في يد الشعب، وبفهمهم العميق لهذه الوثائق المؤسسة، يدركون حقوقهم وواجباتهم، ويتسلحون بالرؤية القانونية والسياسية لمستقبلهم. هذا الفهم هو الذي يحصّنهم ضد محاولات التضليل والالتفاف على إرادتهم.

من الضروري أيضاً تعريف و تشخيص قضايا الهامش وأسباب المظالم التاريخية التي طالما أثقلت كاهل قطاعات واسعة من شعبنا. فالسودان، بفسيفسائه المتنوعة، يحمل في طياته قصصاً من الإقصاء والتهميش، لم يعد بالإمكان تجاهلها. يجب أن يعرف شعب الهامش، من هي القوى الإرثية التي خلقت أزمة السودان وتسببت في معاناته ؟ هذا التساؤل هو بداية لفهم قضايا الهامش و خطوة أولى نحو التشخيص السليم للمرض، وبالتالي وصف العلاج الناجع. إن كشف الحقائق التاريخية وتسمية الأشياء بأسمائها هو السبيل الوحيد لبناء مستقبل يقوم على العدل والمساواة.

وعلى القوى السياسية التأسيسية والشباب المستنيرين الداعمين لمشروع التغيير في السودان أن يجيبوا بوضوح وشفافية عن أسئلة جوهرية: ما هي أهداف ثورتهم ؟ وما هي رؤاها لشكل السودان في المستقبل ؟ فالجماهير لا يمكن أن تتبع مساراً مجهولاً، ولا يمكن أن تضحي من أجل شعارات فارغة. إن وضوح الرؤية وتحديد الأهداف هو ما يمنح الثورة بوصلتها، ويجعلها قادرة على الصمود أمام العواصف.

من الأهمية بمكان تنوير القواعد والجماهير التي تقودها بأدبيات الثورة وعمق البرامج التي تهدف إليها، وليس مجرد ترديد الشعارات فحسب دون العلم بالمضمون. فالثورة ليست مجرد هتافات حماسية، بل هي مشروع فكري وسياسي واجتماعي عميق يتطلب فهماً وإدراكاً. عندما يلم الجمهور ويعرف بالأدوات التي تحقق أشواقه وتطلعاته، سيتفاعل مع الثورة بحماس عالٍ، لا اعتباراً للأثمان التي دفعها، ولا يحيد عن طريق الثورة، ولا يمل إذا طال ميقات تحقيق الأهداف أو طالت المعاناة ووعورة الطريق.

إن وضوح معاني وأهداف الثورة هو الدافع المعنوي للشعب لبذل المزيد من الجهد لتحقيق الأهداف المرجوة. فالثورة ليست نزهة، بل هي مسيرة شاقة تتطلب صبراً ومثابرة وتضحية. وعندما يكون الهدف واضحاً، والمعنى عميقاً، تصبح التضحيات جزءاً لا يتجزأ من طريق النصر.

إن ثورة 15 أبريل في حقيقتها هي ثورة الخلاص بكل معانيها. خلاص من الظلم، خلاص من التهميش، خلاص من دولة النخب و خلاص من الفساد، وخلاص نحو بناء سودان جديد يتسع للجميع، سودان تسوده العدالة والمساواة والكرامة. ولتحقيق هذا الخلاص، لا بد أن تتضافر الجهود، وتتوحد الرؤى، وأن تكون بندقية الثورة، و بندقية الوعي والمعرفة، هي قوتنا الأمضى في هذه المعركة المقدسة.

وهكذا ”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!