حين تنحاز الوساطة للانقلاب: مسعد بولس، فولكر تورك، واختبار المصداقية الدولية في السودان
عمار سعيد

عمار سعيد
لم تكن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرق الأوسط وأفريقيا، لقناة الحدث، مجرد زلة توصيف أو قراءة قاصرة للمشهد السوداني، بل عكست انحرافًا مقلقًا عن أبسط قواعد الحياد السياسي الذي يفترض أن يحكم دور المجموعة الرباعية وجهودها المعلنة لوقف الحرب وإحلال السلام.
فحصر الصراع السوداني في بعده العسكري، والاعتراف الضمني بسلطة بورتسودان الانقلابية، مع تجاهل متعمد لحكومة السلام والوحدة، لا يمثل فقط اختزالًا فادحًا لحرب معقدة الجذور، بل يرقى إلى إعادة إنتاج خطاب الانقلاب نفسه، بغطاء دبلوماسي هذه المرة.
اختزال الأزمة… طريق مسدود
الحرب التي انفجرت في 15 أبريل ليست مواجهة عسكرية معزولة عن سياقها، بل هي نتيجة طبيعية لأزمة دولة ممتدة منذ الاستقلال، تعمّقت بالانقلابات، وانسداد الأفق السياسي، وإقصاء قطاعات واسعة من المجتمع. أي مقاربة تتجاهل هذه الحقائق البنيوية، وتتعامل مع الحرب كاشتباك بين قوتين مسلحتين فقط، إنما تفرغ مفهوم السلام من مضمونه، وتحوله إلى هدنة مؤقتة قابلة للانفجار في أي لحظة.
شرعية تُسحب وأخرى تُتجاهل
الأكثر خطورة في تصريحات بولس أنها تعيد الاعتبار لسلطة فقدت شرعيتها الدستورية والسياسية منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، وهو الانقلاب الذي قاد البلاد مباشرة إلى الانهيار الشامل والحرب الأهلية. هذه الحقيقة لم تكن محل خلاف دولي في حينها؛ فقد عُلّقت عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، وسُحبت الاعترافات الأوروبية، وتبنت واشنطن ولندن مواقف واضحة بنزع الشرعية عن قوى الانقلاب.
إن تجاوز هذه الوقائع اليوم، أو القفز فوقها بدعوى “الواقعية السياسية”، لا يعني سوى مكافأة من أشعلوا الحرب، وإرسال رسالة كارثية مفادها أن الانقلابات يمكن إعادة تدويرها متى ما طال أمد الصراع.
مساواة غير أخلاقية
حكومة السلام والوحدة لم تتوانَ عن الانخراط في كل المبادرات الدولية والإقليمية لوقف الحرب، ولم تغلق بابًا أمام جهد إنساني أو سياسي صادق. في المقابل، ظل الطرف الانقلابي يناور، ويعرقل، ويفرض حصارات ممنهجة، ويستخدم التجويع كسلاح، ويغلق المعابر، ويستهدف المدنيين والبنية التحتية.
مساواة هذين المسارين—مسار يسعى لوقف الحرب ومسار يستثمر في استمرارها—ليست حيادًا، بل تزوير فج للحقائق، وانحياز مقنّع ضد الضحايا.
فولكر تورك… حقوق إنسان بنظرة واحدة؟
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الإشكالي الذي لعبه فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، الذي اقتصرت زيارته على بورتسودان والدبة، ومعسكرات نزوح مصطنعة أنشأتها سلطة الانقلاب، وبعض المناطق الخاضعة لها، دون أن يكلّف نفسه عناء زيارة مناطق سيطرة حكومة السلام أو معسكراتها.
إن الحديث عن حقوق الإنسان لا يستقيم بنصف صورة. المطلوب من المفوض السامي ليس الاكتفاء بجولات مُدارة بعناية من قبل سلطة الأمر الواقع، بل اتخاذ موقف واضح وصريح يطالب بـ:
• فك الحصار الممنهج المفروض على ملايين السودانيين.
• فتح جميع المعابر المغلقة عمدًا لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
• ضمان تدفق الغذاء والدواء عبر ميناء بورتسودان وكل المنافذ البرية والجوية.
كما أن من أبسط مقتضيات المهنية والإنصاف أن يقوم تورك بزيارة مناطق سيطرة حكومة السلام، والوقوف ميدانيًا على حجم التعاون الإنساني القائم هناك، وعلى الجهود المبذولة لاستقرار الأوضاع وعودة النازحين إلى ديارهم بعد تحريرها من مليشيات الحركة الإسلامية الإرهابية.
رسالة إلى الرباعية
إن الرباعية الدولية أمام اختبار حقيقي: إما الالتزام بحياد فعلي لا شكلي، وإما التحول إلى جزء من المشكلة. فالسلام لا يُصنع بتجاهل جذور الصراع، ولا بإعادة شرعنة الانقلاب، ولا بغض الطرف عن الحصار والتجويع.
كما أن استمرار الدور المصري، الذي يتقمص ثوب “الوسيط المحايد” بينما يمارس تأثيرًا منحازًا، يقوض أي أمل في مخرجات متوازنة. ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة لتوسيع الإطار الحالي إلى وساطة خماسية، عبر إشراك إثيوبيا، بما يحقق قدرًا أكبر من التوازن الإقليمي ويعيد بعض المصداقية للعملية السياسية.
السودان لا يحتاج إلى توصيفات مبسطة ولا إلى زيارات انتقائية، بل إلى موقف دولي شجاع يقول بوضوح: لا سلام مع الانقلاب، ولا حياد مع الحصار، ولا حقوق إنسان بنصف عين.
وحده الالتزام الصادق بوقف الحرب، وفتح المسارات الإنسانية، ودعم عملية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس جديدة، هو الطريق الوحيد لسلام عادل ودائم. أما غير ذلك، فليس سوى إدارة للأزمة… على حساب دماء ومعاناة السودانيين.
فعلوا الهاشتاقات دي طوالي
في صفحاتكم ومواقعكم وانشروها طوالي خلوها تعمل ترند
#مطار_شرق_العوينات
#استخدام_مطار_شرق_العوينات
#شرق_العوينات
#مطار_العوينات
#نشاط_مطار_شرق_العوينات




