رأي

محمود محمد طه: شهيد الفكر والحرية وسؤال الدولة المؤجَّل في السودان

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

في الذكرى الحادية والأربعين لإعدام المفكر والسياسي السوداني الأستاذ محمود محمد طه، تعود الأسئلة التي حاولت السلطة يومها أن تُسكتها بالمشانق، أكثر حضورًا وإلحاحًا من أي وقت مضى. لم يكن إعدام محمود حادثة قضائية عابرة، ولا خلافًا فكريًا أُغلق بقرار محكمة، بل كان لحظة كاشفة لطبيعة الدولة التي كانت تتشكل، وللمسار الذي اختارته السلطة في علاقتها بالعقل، والدين، والحرية. واليوم، والسودان يعيش واحدة من أعنف حروبه وأكثرها عبثية، تبدو تلك اللحظة كأنها بداية السقوط الطويل، لا نهايته

لقد قُتل محمود محمد طه لأنه مثّل خطرًا على بنية كاملة من الاستبداد، خطر الفكرة الواضحة، والدعوة السلمية، والجرأة على مساءلة المقدّس حين يُستخدم أداة للقمع. كان قتله إعلانًا غير مكتوب بأن هذه الدولة لا تريد مواطنًا مفكرًا، بل تابعًا صامتًا، ولا تريد دينًا أخلاقيًا إنسانيًا، بل دينًا مُسيّسًا يمنح العنف شرعية، ويمنح الطغيان قداسة.

إعدام الفكر كخيار سياسي

لم يكن الأستاذ محمود محمد طه رجل عنف، ولا قائد تنظيم مسلح، ولا صاحب مشروع سلطوي. كان مفكرًا حرًا، استخدم الكلمة وسيلة وحيدة للنقاش والتغيير. ومع ذلك، رأت السلطة فيه خطرًا يفوق خطر السلاح. والسبب بسيط: السلاح يُهزم بالسلاح، أما الفكرة فلا تُهزم إلا بالقمع

أخطر ما يواجه الطغيان ليس التمرد، بل الوعي

ولهذا كان إعدام محمود قرارًا سياسيًا بامتياز، اتُخذ باسم القضاء، وباركته مؤسسة دينية خاضعة، ونفذه نظام خاف من أن يفقد احتكاره لتفسير الدين، ولتعريف الحق والباطل.

لقد جرى تقديم الرجل إلى محاكمة افتقدت لأبسط معايير العدالة، لا لشيء إلا لأنه دعا إلى فهم مختلف للدين، فهمٍ يعلي من شأن الحرية، ويربط الإيمان بالمسؤولية الأخلاقية، لا بالخوف والطاعة العمياء. وكان واضحًا أن الهدف لم يكن الرد على أفكاره، بل إسكاتها نهائيًا، وإرسال رسالة ترهيب إلى كل من يفكر في الخروج عن السردية الرسمية.

الدين بين الحرية والسلطة

في صلب مشروع محمود محمد طه كانت فكرة جوهرية: أن الدين، حين يُفصل عن مقاصده الأخلاقية، ويتحوّل إلى أداة في يد السلطة، يفقد روحه، ويصبح وسيلة للهيمنة لا للهداية. ولذلك دعا إلى تحرير الدين من قبضة السياسة، لا إلى محاربته أو إقصائه.

هذه الدعوة لم تكن مقبولة لدى نظام رأى في الدين مصدر شرعيته الأهم. فالدولة التي تعجز عن تقديم العدالة، تحتاج إلى خطاب ديني يبرر القمع، ويُخضع المجتمع باسم الطاعة، ويصم أي معارضة بالخروج عن العقيدة.

يقولون: «حين يتحالف الدين مع السيف، يكون أول الضحايا هو الدين نفسه».

وقد أثبتت التجربة السودانية صحة ذلك. فمنذ إعدام محمود، لم يؤدِ توظيف الدين في السياسة إلى استقرار أو أخلاق عامة، بل إلى المزيد من الحروب، والانقسامات، وانهيار الثقة بين المجتمع والدولة.

لقد حذّر محمود مبكرًا من هذا المسار، ودفع حياته ثمنًا لهذا التحذير. واليوم، بعد أربعة عقود، يبدو السودان مثالًا حيًا لما يحدث عندما يُغلق باب الاجتهاد، ويُرفع السيف في وجه العقل.

 «السوفات السبعة» وامتحان التاريخ

من أكثر ما عاد إلى الواجهة في الذكرى الحادية والأربعين لإعدام الأستاذ محمود محمد طه، تلك العبارات التي قالها في سبعينيات القرن الماضي، والمعروفة بـ«السوفات السبعة». لم تكن تلك العبارات نبوءة غيبية، بل قراءة سياسية عميقة لطبيعة الحركات الإسلاموية حين تصل إلى السلطة.

قال محمود محمد طه إن تجربة حكم الإسلاميين ستكشف زيف شعاراتهم، وستقود إلى سيطرتهم على الدولة بالقوة، وإلى إدخال البلاد في فتنة عميقة، قبل أن تنتهي تلك التجربة بالاقتلاع. وقد تعامل كثيرون مع هذه الكلمات لسنوات بوصفها مبالغة فكرية، إلى أن جاءت التجربة نفسها لتمنحها معناها الكامل.

التاريخ لا ينتقم، لكنه لا ينسى

فمنذ انقلاب عام 1989، عاش السودان ثلاثة عقود من حكمٍ أيديولوجيّ أنهك الدولة، ودمّر الاقتصاد، ووسّع رقعة الحروب، وانتهى بانفصال الجنوب، ثم بانفجار شامل أطاح بما تبقى من مؤسسات الدولة.

وحين ننظر اليوم إلى الحرب الدائرة، يصعب فصلها عن ذلك المسار الطويل الذي بدأ بإقصاء الفكر، ومرّ بتديين السياسة، وانتهى بتفكك الدولة نفسها. لقد كان إعدام محمود إشارة مبكرة إلى أن هذا المشروع لا يحتمل النقد، ولا يقبل التعدد، وأن نهايته ستكون عنيفة، ليس فقط مع خصومه، بل مع المجتمع كله.

من قتل المفكر إلى انهيار الدولة

الدولة التي تختار قتل مفكريها، تختار ضمنًا أن تحكم بالقوة لا بالمعنى. وهذا ما حدث في السودان. فبعد إعدام محمود محمد طه، تراجع الحوار، وتقدّم العنف، وأصبح السلاح لغة السياسة الوحيدة. وحين غاب العقل، لم يعد هناك ما يمنع الانزلاق إلى الحروب الأهلية المتكررة.

اليوم، يعيش السودانيون حربًا لا معنى واضحًا لها، ولا مشروع دولة يقف خلفها. سلاح في مواجهة سلاح، ودم في مواجهة دم، في غياب أي أفق وطني جامع. وهذا ليس انفصالًا عن الماضي، بل امتداد منطقي له. فالدولة التي لم تتعلم كيف تحاور مفكريها، لن تعرف كيف تدير اختلاف مكوناتها الاجتماعية والسياسية.

من يقتل السؤال، سيُحاصر بالأجوبة العنيفة

وقد حُوصرت الدولة السودانية، عبر العقود، بأسئلة لم تُجب عنها يومًا: سؤال المواطنة، وسؤال العدالة، وسؤال معنى الدولة نفسها. وعندما انفجرت هذه الأسئلة أخيرًا، انفجرت في شكل حرب.

الذاكرة كشرط للمستقبل

إن استعادة ذكرى الأستاذ محمود محمد طه ليست تمرينًا في الحزن، ولا استدعاءً للماضي من أجل جلد الذات، بل هي فعل وعي ضروري. فالشعوب التي لا تواجه لحظات القمع الكبرى في تاريخها، محكوم عليها بتكرارها.

لقد كان محمود محمد طه رمزًا لإمكانية أخرى: دولة تستوعب الاختلاف، ودين يتصالح مع الحرية، وسياسة تُدار بالعقل لا بالمشانق. قتله لم يُنهِ هذه الإمكانية، لكنه أخّرها، وفتح الباب لمسار دموي ما زال السودان يدفع ثمنه.

اليوم، وبعد واحد وأربعين عامًا، تبدو رسالته أكثر راهنية من أي وقت مضى:

لا دولة بلا حرية،

ولا دين بلا أخلاق،

ولا سلام بلا شجاعة مواجهة الماضي.

فإما أن يتعلّم السودان أخيرًا أن قتل الفكر هو بداية قتل الدولة،

أو يستمر في الدوران داخل الحلقة نفسها، حيث يُغتال المعنى أولًا، ثم يُغتال الوطن بأكمله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!