رأي

امتحانات الشهادة السودانية في مناطق حكومة تأسيس: انتصار لحق التعليم أم ساحة جديدة للصراع السياسي؟

عبدالله عيسى كتر عابد

صوت البادية

عبدالله عيسى كتر عابد

في خضم الحرب التي مزقت أوصال السودان وأثقلت كاهل مواطنيه بالنزوح والفقدان وانهيار الخدمات الأساسية، يظل التعليم واحدًا من آخر الحصون التي يمكن أن تحمي مستقبل الأجيال من الضياع. ولذلك فإن انطلاق امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرة حكومة تأسيس لا ينبغي النظر إليه من زاوية الصراع السياسي وحدها، بل من زاوية الحق الإنساني الأصيل الذي كفلته الشرائع والمواثيق الدولية لكل طفل وشاب دون تمييز.

لقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن التعليم حق للجميع، كما جعلته الأمم المتحدة أحد أهم أهداف التنمية المستدامة باعتباره المدخل الأساسي لبناء المجتمعات وتحقيق الاستقرار والتنمية. ومن هذا المنطلق، فإن أي جهد يُبذل لضمان استمرار العملية التعليمية في ظل ظروف الحرب يمثل خطوة تستحق التقدير والدعم، لأنه يحمي آلاف الطلاب من الوقوع في دائرة الجهل واليأس والفراغ.

إن الحرب لا تقتل البشر بالسلاح وحده، بل تقتل المستقبل عندما تحرم الأطفال والشباب من حقهم في التعلم. ولذلك فإن تعطيل الامتحانات أو حرمان الطلاب من مواصلة مسيرتهم التعليمية لا يقل خطورة عن أي شكل آخر من أشكال الانتهاكات التي تطال المدنيين أثناء النزاعات.

ورغم ذلك، برزت أصوات تعارض إقامة الامتحانات في مناطق سيطرة حكومة تأسيس، مستندة إلى اعتبارات سياسية تتعلق بمسألة الشرعية والاعتراف. غير أن هذا الجدل يغفل حقيقة أساسية مفادها أن الحقوق الأساسية للمواطنين لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات للمكايدات السياسية أو رهائن للصراع بين الأطراف المتحاربة. فالطالب الذي جلس للامتحان لا علاقة له بالخلافات السياسية، ولا يجوز أن يُعاقب بسبب ظروف فرضتها الحرب عليه وعلى أسرته.

كما أن القانون الدولي الإنساني والأعراف الدولية يقران بمسؤولية سلطات الأمر الواقع في توفير الخدمات الأساسية للسكان الموجودين داخل مناطق سيطرتها، بما في ذلك التعليم والصحة والأمن. ومن ثم فإن استمرار العملية التعليمية لا ينبغي أن يُفسر بوصفه مكسبًا سياسيًا لطرف أو خسارة لطرف آخر، وإنما باعتباره استجابة لواجب إنساني وأخلاقي تجاه المواطنين.

غير أن القضية الأكثر أهمية لا تتعلق بإجراء الامتحانات فحسب، بل بما سيأتي بعدها. فآلاف الطلاب الذين جلسوا لهذه الامتحانات ينتظرون إجابات واضحة بشأن مستقبلهم الأكاديمي، ومدى الاعتراف بالشهادات التي سيحصلون عليها، وفرص التحاقهم بمؤسسات التعليم العالي داخل السودان وخارجه.

إن هؤلاء الطلاب ليسوا طرفًا في الحرب، ولا ينبغي أن يتحملوا تبعاتها. ولذلك فإن مسؤولية حماية حقوقهم التعليمية تقع على عاتق جميع الأطراف السياسية والمؤسسات التعليمية والمنظمات الدولية المعنية بالتعليم وحقوق الإنسان. فالمطلوب اليوم ليس تعميق الأزمة، بل البحث عن حلول عملية وعادلة تضمن الاعتراف بحقوق هؤلاء الطلاب وتمكنهم من مواصلة تعليمهم الجامعي دون عوائق أو تمييز.

وفي حال تعثر الوصول إلى ترتيبات وطنية شاملة بشأن الاعتراف الأكاديمي، فإن من الضروري التفكير في بدائل تضمن استمرارية العملية التعليمية، بما في ذلك تشغيل مؤسسات التعليم العالي في المناطق الآمنة وتطوير آليات للمعادلة والاعتماد الأكاديمي تحفظ حقوق الطلاب وتصون مستقبلهم.

ويبقى السؤال الجوهري: هل يجوز أن يصبح مستقبل جيل كامل رهينة للخلافات السياسية؟ وهل من المقبول أن يُحرم الطلاب من حقهم في التعليم بسبب صراع لا يد لهم فيه؟

إن بناء السودان الجديد لن يتحقق بالسلاح وحده، ولا بالانتصارات السياسية المؤقتة، وإنما ببناء الإنسان السوداني وتأهيله وتمكينه من العلم والمعرفة. ولهذا يجب أن يظل التعليم قضية فوق الاستقطاب السياسي، وحقًا مصونًا لا يخضع للمساومة أو التوظيف.

فالأوطان تُبنى بالعقول قبل البنادق، وبالمدارس قبل ساحات القتال، وحماية حق التعليم اليوم هي في جوهرها حماية لمستقبل السودان غدًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!