رأي

هولوكوست جديد بالسودان: حين تُستباح قبائل الحوازمة والشنابلة وتُشرعن الإبادة باسم الهوية

نجم الدين دريسة

نجم الدين دريسة 

لم تكن المجازر التي استهدفت مجتمعات الحوازمة والشنابلة حدثًا معزولًا ولا زلّة حرب عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من حرب الهوية التي دُشّنت منذ خمسينيات القرن المنصرم، وتوارثتها منظومات عنف لا ترى في المدني سوى “تصنيف” قابل للإلغاء. ما جرى هو جريمة حرب مكتملة الأركان، وإبادة اجتماعية تُدار بمنطق العقاب الجماعي، وتُنفّذها جيوش الأيديولوجيا وزبانية الارتزاق، لا مؤسسات دولة ولا أخلاق وطن.

في هذا المشهد، لا يعود السؤال: “من انتصر؟” بل “من بقي حيًا؟” فالقرى التي استُهدفت لم تكن ساحات قتال، ولم تحمل قيمة عسكرية. كانت حياةً يومية بسيطة، حُوّلت إلى رماد لأن أهلها وُسِموا بهوية، ولأن ماكينة التحريض قررت أن “الانتماء” جريمة. هنا، تتعرّى الروايات، وتسقط الأقنعة، ويظهر المنهج: شيطنة، تصنيف، اقتحام، قتل، نهب، ثم صمت.

حين تُصنَّف الجماعات قبل أن تُدان الأفعال، تكون الإبادة قد بدأت.

خمسون عامًا من الإفلات: تاريخ يُكافئ الجريمة بالتكرار

منذ أن جرى تسليح السياسة وتسييس العنف، وُضع المدني السوداني في مرمى النار. لم تكن المجازر صدفة، بل سياسة مُجرَّبة: تُطلق يد المليشيات، يُرفع الغطاء عن القرى، ثم تُعاد صياغة الحكاية بخطاب “الضرورة”. ومع كل دورة بلا مساءلة، تتضاعف القسوة وتُطبع الجريمة.

هذا التاريخ الطويل هو الذي صنع ما جرى للحوازمة والشنابلة. فحين يغيب العقاب لعقود، يُصبح القتل الجماعي خيارًا “متاحًا”، ويغدو نهب العيش أداة ضبط، ويتحول التهجير إلى هندسة سكانية. ليست هذه قراءة انفعالية؛ إنها خلاصة مسار: الدولة التي لا تحاسب قتلتها تُنتج قتلةً أكثر

جيش الأيديولوجيا: حين يرتدي الارتزاق الزيّ

الادّعاء الأخطر هو تقديم هذه الأفعال بوصفها “أمنًا وطنيًا”. الحقيقة أن ما نراه هو جيش الحركة الإسلاموية وقد أعاد ترتيب صفوفه عبر زبانيته من حركات الارتزاق المسلحة؛ شبكات عنف تتحرك بمنطق الغنيمة، وتستقوي بخطاب هويّاتي يشرعن القتل.

حين تتحوّل المؤسسة المسلحة إلى أداة أيديولوجية، يصبح المواطن خصمًا محتملًا، وتصبح القرية اختبار ولاء. عندها لا فرق بين بندقية نظامية وأخرى مليشياوية؛ الغاية واحدة: السيطرة عبر الرعب. وما سُوِّق كـ“عمليات” لم يكن سوى مسارٍ واحد: اقتحام، ترويع، قتل جماعي، نهب مصادر العيش—وهو التعريف الدقيق لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

الهوية كذريعة: الإبادة بوصفها “حلًا”

الخط الأحمر الذي جرى تجاوزه هو القتل على أساس الهوية. أن تُصنَّف مجتمعات بأكملها باعتبارها “حواضن” ثم تُعاقَب جماعيًا، فهذا ليس خطأ تقدير، بل جوهر المشروع. بهذه الذريعة، يُرفع السلاح ضد الانتماء، ويُجرَّم الوجود نفسه.

استهداف الحوازمة والشنابلة لم يكن ردّ فعل، بل سياسة: تفكيك للنسيج الاجتماعي، وصناعة لذاكرة خوف ممتدة. حين يُقتل الناس لأنهم “يُنسبون”، تُزرع ثارات لا تنتهي، ويُنتَج عنف يتغذّى على ذاته. هذا هو الهولوكوست الصامت: ليس لأن الأرقام وحدها صادمة، بل لأن المنطق واحد—شيطنة جماعات، تعميم الاتهام، ثم الإبادة بوصفها “حلًا”.

نهب العيش: الحرب على ما بعد الحياة

الجديد في هذه الجولة لم يكن القتل وحده، بل استهداف مصادر الرزق. حين تُنهب الجِمال والأبقار، لا يُسرق مال فقط؛ يُقوَّض أساس البقاء. الرعي والزراعة نظام حياة وهوية اجتماعية. ضربهما يعني دفع مجتمعات كاملة إلى النزوح القسري، وتحويلها إلى كتل بشرية بلا سند.

نهب الماشية فعل محسوب الأثر؛ يضمن إفراغ المكان وكسر الإرادة وفرض “نصر” بلا معركة. إنه اقتصاد حرب يُدار بعقلية الإخضاع، حيث تُستبدل السياسة بالتجويع، وتُدار السيطرة عبر تجفيف الموارد. بهذا المعنى، يصبح النهب سياسة لا جريمة عابرة.

من يسرق العيش يكتب خريطة النزوح بيده.

جريمة حرب متكاملة الأركان: القانون لا يشيخ

القانون الدولي الإنساني لا يلتبس: استهداف المدنيين، القتل الجماعي، التهجير القسري، نهب الممتلكات، والعقاب الجماعي—كلها جرائم حرب، وبعضها يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية. لا تسقط بالتقادم، ولا يحمي مرتكبيها تبدّل التحالفات أو تغيّر الخطاب.

وصف ما جرى بـ“تجاوزات” هروب من الحقيقة. نحن أمام جرائم متكررة بنمط واحد، وبسلسلة قيادة لا يمكن إنكارها. الصمت هنا ليس حذرًا سياسيًا، بل مشاركة غير مباشرة. لن نصمت، لأن الصمت في مواجهة الإبادة ليس حيادًا، بل اصطفاف ضد الضحايا.

بورتسودان كرمز: سقوط الأهلية الأخلاقية

ليكن القول واضحًا: ما يُسمّى سلطة بورتسودان ليس مجرد كيان فاقد للشرعية السياسية، بل فاقد للأهلية الأخلاقية. شرعية أي سلطة تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها دون تمييز؛ وحين تتحول إلى غطاء لعنف عنصري، تسقط كل الادعاءات.

العنصرية هنا ممارسة لا شعارًا: انتقائية في الحماية، تمييز في الإدانة، وتبرير للقتل متى طال “آخرين”. بهذه المقاربة، يتمزق الوطن وتُعاد إنتاج صراعات لا تنتهي. لا سلام يُبنى على جماجم القرى، ولا دولة تولد من رحم الإقصاء.

العار العالمي: فشل الضمير أمام الجريمة

الصمت المحلي والدولي عار في جبين الإنسانية. لا تكفي بيانات القلق، ولا تُغني الدبلوماسية الباردة عن واجب الحماية. حين تُترك المجتمعات فريسة للعقاب الجماعي، تُبعث رسالة فادحة: بعض الأرواح أقل قيمة.

هذا الصمت يشجّع الجناة ويُضعف القانون الدولي نفسه. حماية المدنيين ليست ترفًا؛ إنها التزام. وأي تهاون في إنفاذه ينسف منظومة العدالة العالمية من أساسها.

الصمت على الإبادة توقيعٌ غير مرئي عليها.

بين ذاكرة الدم وإرادة العدالة

ما حدث للحوازمة والشنابلة ليس صفحة تُطوى ببيان، ولا رقمًا يُنسى بخبر جديد. إنه اختبار لضمير وطن، وإدانة لمنهج. استمرار التجاهل يعني التسليم بدوامة عنف لا نهاية لها؛ وكسرها يبدأ بالاعتراف، يمرّ بالمحاسبة، ويكتمل بإرادة سلام حقيقية لا تُدار بالبندقية.

الطريق واضح رغم كلفته: وقف فوري لاستهداف المدنيين، تفكيك المليشيات، مساءلة شاملة بلا حصانات، وحماية غير انتقائية للمواطنين. ما دون ذلك ترقيع يُمهّد للمجزرة التالية.

في مواجهة جيش الحركة الإسلاموية وزبانيته، وفي مواجهة الصمت العالمي، يبقى صوت الضحايا هو المعيار. من ينحاز إليه اليوم، ينحاز للمستقبل؛ ومن يصمت، يُسجَّل عليه—إلى الأبد—عار المشاركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!