
إيمان التجاني
ما جرى للحوازمة والشنابلة لا يمكن اختزاله في خانة الفوضى أو ارتدادات الحرب، بل هو نتاج منطقٍ راسخ يرى في الهوية تهمة، وفي المجتمع هدفًا مشروعًا. حين تُستباح القرى وتُقتل العائلات ويُنهب العيش، لا لأنهم حملوا سلاحًا، بل لأنهم نُسبوا إلى جماعة بعينها، فنحن أمام جريمة واضحة لا لبس فيها، جريمة تُدار بعقلية العقاب الجماعي وتُسوَّق بخطاب أمني زائف.
اللغة التي تحاول تلطيف ما حدث—“تجاوزات”، “أخطاء ميدانية”، “ضرورات”—ليست بريئة. إنها جزء من المشكلة. فالتسمية الخاطئة تُفرغ الدم من معناه، وتحوّل الضحية إلى رقم، والجريمة إلى خبر عابر. ما وقع هو استهداف مباشر للمدنيين، وتدمير لمصادر عيشهم، وترويع متعمد لمجتمعات كاملة. هذا ليس أمنًا، بل سياسة عنف، وليس دفاعًا، بل هجوم على فكرة العيش المشترك نفسها.
الأخطر من الرصاص هو الفكرة التي تحمله. فكرة أن جماعة ما يمكن تحميلها ذنب صراعٍ لا تملكه، وأن القرية يمكن تصنيفها ثم معاقبتها، وأن الحياة اليومية البسيطة يمكن سحقها باسم “الانتماء”. بهذه الفكرة تُفتح أبواب الإبادة الاجتماعية، وتُزرع ثارات طويلة الأمد، ويُعاد إنتاج الحرب جيلاً بعد جيل.
الصمت المحيط بهذه الجرائم لا يقل قسوة عن ارتكابها. فحين لا تُروى القصة كاملة، وحين لا يُسمّى الفاعل، وحين تُترك الضحية وحدها في مواجهة النسيان، يُصبح الصمت شريكًا. العدالة ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرط نجاة. من دون محاسبة حقيقية، سيتحول الإفلات من العقاب إلى دعوة مفتوحة لتكرار الفعل ذاته، في قرية أخرى وباسمٍ جديد.
إن إنصاف الحوازمة والشنابلة يبدأ بالاعتراف غير الملتبس بما جرى، ورفض أي خطاب يُجرّد الضحايا من إنسانيتهم أو يبرر استهدافهم. ويستمر بوقف استهداف المدنيين فورًا، وحماية مصادر عيشهم، وفتح مسار مساءلة لا يستثني أحدًا. السلام لا يُبنى على إنكار الجريمة، ولا على مساواة الضحية بالجلاد. السلام مسارٌ صعب، لكنه الوحيد القادر على إعادة المعنى للحياة، ووضع الإنسان—لا الهوية—في مركزها.




