
نجم الدين دريسة
للأسف، لا يزال عدد من المثقفين وبعض سدنة الدولة بعد الاستعمار يتعاملون مع هذا المسخ المشوه الذي يسمّى “دولة السودان” كما لو كان كيانًا متفقًا عليه ومتراضيًا بشأنه. هؤلاء ينطلقون بطرائق تفكير غرائبية ورغائبية، تؤكد أنهم أسرى أجهزة مفاهيمية مختلفة، تجعلهم ضحايا سرديات تاريخية يرددونها بلا أي إعمال للعقل، كالببغاوات، دون أن يفكروا ولو للحظة في نقد تلك المفاهيم أو مراجعة التاريخ بشكل واقعي.
الحقيقة المرة أن السودان لا توجد فيه دولة بالمفهوم الحديث؛ الدولة التي تقوم على أرض محددة، شعب متساوي الحقوق والواجبات، ودستور يحمي الجميع. جغرافيا، حدود السودان غير واضحة، وشعبه ليس متساوي الحقوق، ولا توجد دولة مواطنة. هناك شعوب مهمشة تاريخيًا، بسبب سلطة وكلاء الاستعمار، سلطة قابضة وخانقة، مارست كل أنواع الفساد والاستبداد والظلم على مدار عقود طويلة.
المؤسف أن كثيرًا من المراقبين والمحللين ينظرون إلى الصراع في السودان باعتباره مجرد “صراع بين طرفين”، ويعتقدون أن كل طرف مسؤول بنفس الدرجة عن العنف والفوضى. هذا التفكير يكرّس ظلم الهامش ويمنح الأوليغارشية فرصة لإعادة إنتاج نفسها عبر التاريخ، في حين أن بعض الأطراف ظلت تتعرض لتهميش كامل منذ استقلال السودان وحتى اليوم. هذا النهج في التقييم هو في حد ذاته ظلم جديد، لأنه يساوي بين من يواجه القمع ويقاوم، وبين من يمارس الاستبداد والهيمنة على شعوب الهامش.
الجيش السوداني، على سبيل المثال، ظل على مدى عقود أداة قمعية، يقتل شعوب الهامش، ويقف عقبة أمام الحكم العادل، ويكون أداة للتدخلات الخارجية، مثل التدخل المصري والتآمر على مصالح السودان، إلى جانب جماعات هوسية أشعلت حرب أبريل لإجهاض الثورة واستعادة السلطة على جماجم ودماء الشعب السوداني. هذا الواقع يوضح أن من ينظر إلى الصراع من زاوية طرفين متساويين لا يرى الحقيقة كاملة، بل يكرر رواية الأوليغارشية.
في المقابل، هناك من انحاز للثورة ومن وقف إلى جانب الشعوب المهمشة، مثل قوات الدعم السريع التي دعمّت الثورة، وتواجه اليوم هجومًا شرسًا، بينما تسعى لتشكيل تحالف واسع مع القوى المدنية والسياسية، مقدمين مواثيق سياسية وأطروحات معالجة جذور الأزمة السودانية. هذه الجهود تمثل الأمل في بناء دولة حقيقية، قائمة على العدالة والمواطنة والمساواة، بعيدًا عن نهج القمع التاريخي والاستبداد المتكرر.
السودان بحاجة إلى إعادة تأسيس الدولة من جديد، دولة تحمي شعوبها كافة، وتضمن حقوقهم، وتعالج إرث الاستبداد التاريخي، بدلًا من إعادة إنتاج الصراعات القديمة تحت شعارات زائفة عن طرفين متساويين. الوقت الآن للالتفات إلى الهامش، للعدالة، ولإنهاء الحصص القبلية والأوليغارشية، وبناء دولة حقيقية يمكن أن تضع حدًا للتهميش وتؤسس لمستقبل أفضل.




