
علي الماحي
يشهد السودان مرحلة مفصلية من تاريخه الحديث، حيث تتقاطع تطورات الميدان مع تطلعات الشعب في الحرية والسلام والعدالة، وهي شعارات لم تكن يومًا مجرد كلمات عابرة، بل تعبيرًا عميقًا عن معاناة ممتدة وأمل متجدد في بناء دولة عادلة ومستقرة. وفي خضم هذه التحولات، تبرز التحركات العسكرية لقوات الدعم السريع بوصفها أحد أهم العوامل المؤثرة في المشهدين السياسي والعسكري على حد سواء.
أولًا: حسم المعارك وتبدّل موازين القوى
بعد معارك ضارية في دارفور وكردفان، تمكنت قوات الدعم السريع من فرض واقع ميداني جديد، عكس قدرة تنظيمية وتحركًا عسكريًا واسع النطاق. هذه التطورات لم تكن مجرد انتصارات عسكرية بحتة، بل حملت دلالات سياسية تتجاوز حدود الجغرافيا، إذ أعادت رسم موازين القوى وأعطت إشارات واضحة عن اتجاه الصراع في المرحلة المقبلة.
لقد مثّلت دارفور وكردفان، عبر سنوات طويلة، مسرحًا لصراعات معقدة، اختلط فيها البعد العسكري بالبعد الاجتماعي والاقتصادي. ومن هنا، فإن الحسم في هذه المناطق يُقرأ بوصفه خطوة استراتيجية تمهّد لمرحلة جديدة من التحركات، أبرزها التوجه نحو العاصمة الخرطوم.
ثانيًا: الطريق إلى الخرطوم… رمزية المكان والقرار
الخرطوم ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي رمز للدولة ومركز لصناعة القرار. والتوجه نحوها يحمل في طياته رسالة مفادها أن الصراع لم يعد محصورًا في الأطراف، بل بات يستهدف قلب المعادلة السياسية. ويأتي هذا التوجه مصحوبًا بخطاب يؤكد العزيمة والإصرار على “تحرير السودان من قبضة الميليشيات الانقلابية والإرهابية”، بحسب ما يردده أنصار هذا المسار.
إن الحديث عن “العودة إلى الخرطوم” يعكس أيضًا بعدًا نفسيًا ومعنويًا، إذ يربط بين التقدم العسكري والأمل في إعادة ترتيب المشهد الوطني، بما يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية مختلفة عما سبق.
ثالثًا: من الميدان إلى المشروع
لا يمكن لأي قوة عسكرية، مهما بلغت قوتها، أن تنجح دون أن تطرح رؤية واضحة لما بعد المعركة. وفي هذا السياق، يبرز شعار “حرية، سلام، وعدالة” كعنوان جامع لتطلعات قطاعات واسعة من الشعب السوداني. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمة هذا الشعار إلى سياسات عملية ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتحقيق الاستقرار.
الوصول إلى الخرطوم، ثم إلى بورتسودان، كما يتردد في الخطاب الميداني، لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل محطة لإعادة التفكير في شكل الدولة، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وكيفية معالجة الجراح التي خلّفتها سنوات الصراع
رابعًا: قراءة في المستقبل
المشهد السوداني اليوم مفتوح على احتمالات متعددة. فإما أن تُستثمر التحولات الميدانية في إطلاق مسار سياسي شامل يضع حدًا لدائرة العنف، أو أن تتحول الانتصارات العسكرية إلى صراع جديد يعمّق الانقسام. وهنا تبرز مسؤولية القيادات السياسية والعسكرية، وكذلك النخب الفكرية والمجتمعية، في توجيه البوصلة نحو مصلحة الوطن العليا.
إن السودان يقف على أعتاب مرحلة دقيقة، تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والوعي. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في السيطرة على الأرض، بل في القدرة على بناء السلام وصون الكرامة الإنسانية. وبين الميدان والسياسة، يبقى أمل السودانيين معقودًا على أن تتحول التضحيات إلى مستقبل أفضل، تُرفع فيه راية الحرية، ويُرسَّخ السلام، وتتحقق العدالة




