رأي

بورتسودان.. “عبث القضبان” في زمن الشرعية المفقودة

زينب حسن سعيد

 

​زينب حسن سعيد 

​بينما يعيش السودان حالة من التفكك غير المسبوق، اختارت سلطة بورتسودان أن تمارس “هروباً قانونياً” إلى الأمام، بفتح جلسات محاكمة لـ (201) شخصاً في الدعوى الجنائية رقم (5010/2023). هذه المحاكمات، التي تُساق فيها اتهامات ثقيلة مثل “تقويض النظام الدستوري”، ليست سوى عرض سياسي بائس يكشف حجم الغباء في إدارة الأزمة، ويتجاهل الحقائق الدامغة التي سبقت اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل.

​تحالفات الأمس و”مقصلة” اليوم

​تتحدث سلطة بورتسودان اليوم عن “الخيانة” و”تقويض الدستور”، متناسيةً حقائق لا يمكن طمسها بأوراق المحاكم الكيدية. فالمتهمون الذين تطاردهم اليوم بـ “قانون العقوبات”، كانوا حتى عشية الحرب هم أعمدة “النظام الدستوري” ذاته الذي يدّعون حمايته. فمحمد حمدان دقلو لم يكن غريباً عن المشهد، بل كان نائباً لرئيس مجلس السيادة، وهادي إدريس، والطاهر حجر، ومحمد حسن التعايشي كانوا أعضاءً أصيلين في مجلس السيادة.

​هؤلاء القادة لم يكونوا خصوماً، بل كانوا شركاء رسميين في الحكم بموجب الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا للسلام، يتقاسمون مع قادة الجيش الحاليين المكاتب والقرارات والميزانيات. إن محاولة “شيطنتهم” قانونياً الآن، مع استثناء الطرف الآخر من الشراكة، تُسقط عن هذه المحاكمات صفة العدالة، وتجعلها مجرد “تصفيات سياسية” بين شركاء اختلفوا على اقتسام الغنيمة، فاحترق الوطن بأسره جراء صراعهم.

​سقوط الشرعية في فخ الحرب

​إن المنطق القانوني والسياسي السليم يقول إن “الشرعية الدستورية” في السودان قد لُفظت أنفاسها الأخيرة مع انطلاق أول رصاصة في الحرب. فالحكومة التي استمدت وجودها من الوثيقة الدستورية واتفاقيات السلام فقدت أهليتها وصفتها بمجرد تحول “شركاء الحكم” إلى “فرقاء حرب”.

​بأي حق، وأي تفويض، تنصب “مجموعة بورتسودان” نفسها وريثاً وحيداً للدولة وللقضاء؟ وكيف يستقيم أن تُحاكم طرفاً بخرق الدستور، بينما أنت طرف أصيل في تمزيق ذلك الدستور وفي العجز الفاضح عن حماية المؤسسات التي قامت عليه؟ إن الحقيقة الساطعة هي أن هذه السلطة فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية باندلاع الحرب، وما تمارسه الآن ليس سوى محاولة لابتداع “شرعية قضائية” زائفة لا تملك سنداً من الواقع.

​العدالة الانتقائية.. غباءٌ لا يُغتفر

​إن حشر السياسيين والعسكريين في قائمة اتهام واحدة، ومحاكمتهم بمواد تصل عقوبتها للإعدام، هو فعل يفتقر للحكمة السياسية بقدر افتقاره للمهنية القانونية. فبدلاً من البحث عن سبل لوقف النزيف وإعادة لم شتات البلاد، تصر سلطة بورتسودان على تعميق الهوة وإغلاق كافة أبواب الحلول السياسية عبر “ليّ ذراع” القانون.

​إذا كان القضاء السوداني في بورتسودان “مستقلاً” كما يزعمون، فلماذا لم يفتح ملفات المسؤولية عن الفشل الذريع في منع وقوع هذه الحرب؟ ومن يحاكم القادة القابعين في بورتسودان اليوم على إخفاقهم في أداء واجبهم الدستوري الأول وهو حماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم؟ إن العدالة التي لا ترى إلا بعين واحدة هي محض انتقام، والقضاء الذي يُدار وفق أمزجة الغرف الأمنية لا يبني دولة، بل يهدم ما تبقى من أطلالها.

​خاتمة: مأزق الحساب التاريخي

​في الختام، إن محاكمات بورتسودان هي “مسرحية عبثية” بامتياز، تهدف إلى غسل يد طرف واحد من دماء السودانيين وإلقاء التهمة على الآخرين. لن يصدق السودانيون ولا المجتمع الدولي أن الطرف الذي كان يتقاسم السلطة والقرار مع هؤلاء المتهمين لسنوات، قد استيقظ فجأة ليطبق القانون الجنائي. السودان لا يحتاج لعدالة بورتسودان العوراء، بل يحتاج لمحاسبة شاملة وتاريخية تبدأ برأس السلطة قبل ذيلها، وتضع الجميع أمام ميزان الحساب عن وطنٍ ضاع بين مطامع الشركاء وغباء الإدارة التي لا تزال تصر على ممارسة السياسة بمطرقة القاضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!