
نجم الدين دريسة
حين تفشل العدالة طويلاً، تصبح إعادة بناء الدولة واجباً تاريخياً لا خياراً
لم تكن الأزمة السودانية، في جوهرها العميق، مجرد صراع على السلطة بين جنرالات أو أحزاب أو حركات مسلحة، كما حاولت النخب التقليدية تصويرها لعقود طويلة، بل كانت ـ وما تزال ـ أزمة دولة مختطفة منذ لحظة ميلادها الأولى. دولة تأسست على الخديعة، واستمرت بالخداع، وأُديرت طوال سبعين عاماً بعقلية الامتيازات الوراثية والاحتكار السياسي والثقافي والاقتصادي، حتى تحولت إلى ما يشبه الإقطاع السياسي المغلق الذي يتوارثه عدد محدود من الفاعلين المرتبطين بالخارج أكثر من ارتباطهم بالشعب السوداني نفسه.
ولهذا فإن أكثر الخطابات تضليلاً اليوم هو ذلك الخطاب الذي لا يزال يتحدث عن “الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها”، وكأن السودان كان يملك بالفعل دولة وطنية عادلة تستحق الحماية. الحقيقة الصادمة أن ما يسمى بدولة ما بعد الاستعمار في السودان لم يكن يوماً دولة وطنية مكتملة، بل كان هيكلاً مشوهاً صُمم بعناية لخدمة مركز ضيق يحتكر السلطة والثروة والسلاح والخطاب الإعلامي، بينما تُركت الأطراف والهامش لتدفع فاتورة البقاء القاسي بالحروب والفقر والتهميش والقتل الجماعي.
النخب التي تتحدث اليوم عن “إصلاح الدولة” تعرف جيداً أنها لا تدافع عن الوطن، بل تدافع عن الامتيازات التاريخية التي صنعتها دولة 56. تلك الدولة لم تكن عقداً اجتماعياً بين السودانيين، وإنما كانت تسوية استعمارية نقلت السلطة من المستعمر الأجنبي إلى نخبة محلية مرتبطة بمصالحه ورؤيته وأدواته. ولهذا ظلت مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية تُبنى بعقلية الحارس لا بعقلية الخدمة العامة، وظلت المؤسسة الأمنية تُدار باعتبارها أداة لحماية المركز لا الشعب، بينما تم استخدام شعارات الوحدة الوطنية والقومية كغطاء أخلاقي لاستمرار السيطرة القديمة.
الأخطر من ذلك أن كثيراً من دعاة التغيير وقعوا ـ بوعي أو دون وعي ـ في فخ هذا الخطاب المفخخ، فصاروا يتحدثون عن “إصلاح المؤسسات” بدلاً من مساءلة طبيعتها ووظيفتها التاريخية. والحقيقة أن المؤسسات التي بُنيت على الاختلال البنيوي لا يمكن إصلاحها تجميلياً، لأن المشكلة ليست في الأفراد فقط، بل في الفلسفة التي قامت عليها هذه المؤسسات منذ البداية.
لا يمكن إصلاح مؤسسة عسكرية تأسست لحماية مركز سياسي ضد بقية الشعوب السودانية، ولا يمكن إصلاح جهاز إداري صُمم لخدمة طبقة محددة، ولا يمكن إنتاج عدالة حقيقية داخل دولة تأسست أصلاً على نفي العدالة التاريخية والثقافية والجغرافية. لهذا فإن الحديث عن الإصلاح وحده ليس سوى محاولة لإعادة تدوير الأزمة وإطالة عمر الانهيار.
إن السودان يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة: إما إعادة إنتاج الكارثة القديمة بصيغ جديدة، أو الذهاب نحو تأسيس جذري كامل يعيد تعريف الدولة من الأساس. التأسيس هنا لا يعني مجرد تغيير حكومة أو استبدال نخبة بأخرى، بل يعني إعادة بناء مفهوم الدولة نفسها: من دولة الهيمنة إلى دولة الشراكة، ومن دولة المركز المغلق إلى دولة الشعوب المتعددة، ومن دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق المتساوية.
وهذا التأسيس لا يمكن أن يتم دون الاعتراف أولاً بأن العدالة الانتقالية التاريخية ليست ترفاً فكرياً، بل شرطاً لبقاء السودان نفسه. لأن الشعوب التي ظلت تُقتل وتُهجّر وتُقصى لعقود طويلة لم تعد مستعدة للعودة إلى بيت الطاعة القديم تحت شعارات الوطنية الزائفة والوحدة القسرية.
لقد أثبتت التجربة أن كل مشاريع “الوحدة الوطنية” التي بشرت بها النخب التقليدية كانت في حقيقتها مشاريع هيمنة ناعمة، يتم فيها استخدام الخطاب الوطني لإخفاء البنية الحقيقية للسلطة. ولهذا فإن أي مشروع جديد لا يقوم على الاعتراف بالتعدد الحقيقي، واللامركزية الكاملة، والعلمانية، والوحدة الطوعية، سيعيد إنتاج الحرب بشكل أكثر عنفاً مستقبلاً.
إن تأسيس جيش جديد يمثل جزءاً مركزياً من هذا التحول التاريخي. ليس لأن الجيوش الوطنية غير مهمة، بل لأن المؤسسة العسكرية الحالية نفسها نتاج مباشر لفلسفة الدولة القديمة، وقد تم استخدامها مراراً كأداة لحماية الامتيازات السياسية للنخب المسيطرة، لا لحماية المواطن السوداني. ولهذا فإن إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس قومية جديدة ومتوافق عليها لم يعد مطلباً سياسياً فحسب، بل ضرورة وجودية لمنع تكرار دورات الدم والانهيار.
أما الحديث عن “الحفاظ على المؤسسات القائمة” فهو في كثير من الأحيان مجرد محاولة لإبقاء البنية القديمة حيّة حتى وإن تغيرت الوجوه. المؤسسات الموروثة عن الاستعمار لم تُصمم لإنتاج العدالة، وإنما لإدارة السيطرة. ولذلك فإن تفكيكها ليس عملاً انتقامياً، بل خطوة تأسيسية لإنتاج دولة جديدة قابلة للحياة.
ولعل أكثر ما يثير السخرية السياسية أن بعض القوى الإقليمية التي ظلت لعقود تدعم النخب المركزية القديمة، لا تزال تتحدث اليوم عن “وحدة السودان” و”قومية المؤسسات”، بينما كانت تلك المؤسسات نفسها سبباً مباشراً في تمزيق السودان وإشعال الحروب داخله. فالوحدة التي تُفرض بالقهر ليست وحدة، والمؤسسات التي تُدار لخدمة نخبة محددة ليست قومية مهما رفعت من شعارات.
لقد تغيّر السودان عميقاً، وتغيّرت الشعوب السودانية أكثر من أي وقت مضى. الوعي الجديد الذي تشكل وسط الحرب والدمار والنزوح لم يعد يقبل العودة إلى الصيغ القديمة أو إعادة تدوير ذات الطبقة السياسية التي قادت البلاد إلى الانهيار. ولهذا فإن مشروع السودان الجديد لم يعد مجرد حلم نظري أو خطاب احتجاجي، بل أصبح تعبيراً عن ضرورة تاريخية فرضها فشل الدولة القديمة الكامل.
إن القطيعة مع دولة 56 لم تعد خياراً أيديولوجياً، بل أصبحت شرطاً لبقاء السودان نفسه. فالدولة التي فشلت في حماية شعبها، وفشلت في بناء العدالة، وفشلت في إنتاج هوية وطنية جامعة، لا يمكن ترقيعها إلى الأبد. وما تحتاجه البلاد اليوم ليس إصلاح الخراب، بل بناء وطن جديد فوق أنقاض الوهم القديم.
التاريخ لا يرحم الدول التي ترفض مراجعة نفسها، والشعوب لا تنسى طويلاً من صادر حقوقها باسم الوطنية. ولذلك فإن المستقبل لن يكون لأولئك الذين يحاولون حماية الجدران المتداعية، بل لأولئك الذين يمتلكون الشجاعة الكافية لبناء الأساس من جديد.




