رأي

سلسلة كشف المستور (15) عقدة النخبة – الأفندي المخصي سياسيًا  ​ملف العدالة: “ميزان الجزار”  ​يد تسرق فتُقطع.. ويد تنهب فتُكرّم: (قوانين سبتمبر) واغتيال العدالة باسم الله!

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

​ مجدي محمد مصطفى ماكن

​في عام 1983، قرر الديكتاتور جعفر نميري، المتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، أن يطبق ما أسموه “الشريعة الإسلامية”.

هلل “الأفندية” في الخرطوم، وسارت المواكب تؤيد “أمير المؤمنين”.

لكن، هل كانت تلك شريعة الله التي تأمر بالعدل والإحسان؟

لا.. كانت “شريعة السلطان” التي تهدف لإرهاب الشعب وتثبيت الكرسي المتهالك.

لقد حولوا “المحكمة” إلى “مسلخ”، وحولوا “القاضي” إلى “جزار”، وكانت الضحية دائماً: الفقير، والنازح، والمعارض.

 

​1. حد “السرقة” للفقراء.. وحد “التحلل” للأغنياء

أبشع ما في قوانين سبتمبر (والتي استمرت بصيغ مختلفة في عهد الإنقاذ) هو “الطبقية في العقاب”.

​إذا سرق “شماسي” (نازح مشرد) رغيف خبز أو حذاءً قديماً لأنه جائع، يُساق إلى ساحات العدالة الناجزة، وتُقطع يده أمام الكاميرات ليكون عبرة.

​أما إذا سرق “الأفندي” (المسؤول، الوزير، أو المصرفي الإسلامي) مليارات الجنيهات من أموال الشعب، ودمر بنوكاً بأكملها.. فماذا يحدث له؟

هل تُقطع يده؟ لا!

اخترعوا له فقهاً خاصاً اسمه “فقه التحلل” أو “فقه السترة”.

يقولون له: “أرجع جزءاً مما سرقت، وعفا الله عما سلف”.

يدُ الفقير تُقطع لأنه سرق ليعيش، ويدُ الغني تُقبل وتُكرم لأنه سرق ليزداد ثراءً.

هذه ليست شريعة محمد (ص)، هذه شريعة “مافيا” تحمي أعضاءها وتفتك بضحاياها.

 

​2. السوط على ظهور النساء الضعيفات

لم يكن الساطور وحده هو الأداة، بل كان “السوط” هو الرمز الآخر لهذه العدالة العوراء.

لمن كان يخصص الجلد؟

لنساء الهامش، وبائعات الشاي، والفتيات البسيطات.

تحت مسمى “قانون النظام العام” سيئ السمعة، جلدت الدولة عشرات الآلاف من النساء بتهم واهية (زي فاضح، أو بيع الشاي في وقت متأخر).

 

بينما نساء وبنات “الطبقة المخملية” في الخرطوم يرتدين ما يحلو لهن، ويسافرن لأوروبا، ولا يجرؤ شرطي النظام العام على الاقتراب من سياراتهن الفارهة.

 

القانون كان سوطاً لتأديب “الفقراء” وإذلالهم، وليس لحماية الفضيلة. الفضيلة التي لا تطبق إلا على الضعيف هي “رذيلة” مقنعة.

 

سلسلة كشف المستور (15)

عقدة النخبة – الأفندي المخصي سياسيًا 

​ملف العدالة: “ميزان الجزار” 

​يد تسرق فتُقطع.. ويد تنهب فتُكرّم: (قوانين سبتمبر) واغتيال العدالة باسم الله!

 

3. “محمود محمد طه”: عندما يكفر القاضي خصمه ليقتله

قمة التوظيف السياسي للقضاء ظهرت في جريمة اغتيال الأستاذ المفكر محمود محمد طه.

لماذا قتلوه؟

هل لأنه مرتد حقاً؟ لا.

قتلوه لأنه “فضح اللعبة”.

محمود محمد طه أصدر منشوراً بعنوان “هذا أو الطوفان”، قال فيه بوضوح إن قوانين سبتمبر شوهت الإسلام وأذلت الشعب وهددت وحدة البلاد.

لأن كلامه كان “حقاً” يهدد سلطة “الأفندي المتأسلم”، قرروا تصفيته.

لكنهم لم يغتالوه برصاصة في الظلام كما يفعل الجبناء عادة، بل اغتالوه “بحكم محكمة”.

ألبسوا الخصومة السياسية ثوب “الردة”، ونصبوا محكمة مهزلة محكمة المكاشفي و الطيب و الأمين عبدالرحمن، كانت محمكة مهزلة، حكموا عليه بالإعدام في أيام معدودة دون اتباع أي إجراءات عدالة حقيقية. بعد صدور الحكم، رُفع الطعن إلى المحكمة العليا، لكن السفاح نميري و ايد الحكم دون اعتبار للمحكمة العليا، بتواطوء من رئيس القضاء حينها دفع الله الرضي.

 

كانت رسالة مرعبة للجميع: “من يعارض مشروعنا السياسي، سنقتله بسيف الدين وبختم القاضي.”

 

المفارقة المضحكة المبكية، انه في نوفمبر 1986، أصدرت المحكمة العليا حكمًا تاريخيًا ببطلان محاكمة محمود محمد طه واعتبارها “باطلة بطلانًا مطلقًا ومخالفة لأصول العدالة”

 

​4. القضاء “الإستئصالي”: الساطور السياسي

إعدام محمود محمد طه أسس لمرحلة جديدة في السودان: “القضاء الإستئصالي”.

 

أصبح القاضي لا ينظر في “الأدلة”، بل ينظر في “انتماء المتهم”.

​إذا كنت معارضاً، فالتهم جاهزة: (تقويض النظام الدستوري، الردة، التخابر). وعقوبتها الإعدام.

​وإذا كنت من “النخب”، فالبراءة جاهزة مهما فعلت.

هل تذكرون قتلة شهداء رمضان؟ هل تذكرون قتلة المتظاهرين؟ لم يحاسبهم القضاء يوماً، لأنهم “منهم”. بل ذهب منهم من يتشفع في قاتل الأستاذ أحمد الخير، الذي قتل بطريقة وحشية.

 

العدالة في السودان تحولت إلى “أداة تصفية حسابات”. القاضي يرتدي العمامة والوشاح، لكنه في الحقيقة ينفذ أوامر “جهاز الأمن”.

 

​5. لا قداسة لعدالة “الأفندي”، إن الدماء التي سالت، والأيدي التي قطعت، والظهور التي جلدت، هي شهادة إدانة أبدية لهذا النظام القضائي المشوه.

لا يمكن بناء دولة حديثة بقوانين وضعت لإرهاب الناس.

 

في مشروع التأسيس الجديد، سنلغي كل القوانين التي تميز بين “سارق الرغيف” و”سارق البنك”.

​الدين لله، والوطن للجميع، والقانون فوق الجميع.

​سنعيد الاعتبار لمحمود محمد طه، ولكل ضحايا النظام العام، ولكل من قُطعت يده ظلماً وجوراً.

 

​وسنحاكم “القضاة” الذين لطخوا أيديهم بدماء الأبرياء. فالقاضي الظالم شريك للجلاد، ولا حصانة لظالم. لقد ​انتهى زمن “الساطور”.. وبدأ زمن “الميزان” الحقيقي.

 

​#الأبارتهايد_المنقب

#ميزان_الجزار

#قوانين_سبتمبر_الدموية

#شهيد_الفكر_محمود

 

​المقال القادم، والأخير في ملف العدالة) سيتناول موضوع (الحصانات). كيف صمم الأفندي الخصي قوانين تجعل الجيش والشرطة والأمن “فوق القانون”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!