
إيمان التجاني
تُمارس الأجهزة الأمنية والاستخباراتية السودانية، وعلى رأسها الاستخبارات العسكرية والمخابرات العامة، نمطًا ممنهجًا من القمع ضد المدنيين، مستهدفةً نشطاء ثورة ديسمبر ولجان المقاومة وأي أصوات معارضة للحرب. يتمثل هذا القمع في الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، والاحتجاز خارج القانون، والمحاكمات الصورية، إلى جانب فتح بلاغات ملفقة تدار عبر مواد قانونية أُفرغت من جوهرها الدستوري.
هذه الممارسات لا تقع في فراغ، فهي نتاج سيطرة القيادة العسكرية العليا على أجهزة إنفاذ القانون وتوجيهها أو غض الطرف عنها. حين يُعتقل المدنيون دون أوامر قضائية، ويُحرمون من الاتصال بمحامين، ويُخفون قسرًا لفترات غير معلومة، فإن المسؤولية تتحملها القيادة العليا التي سمحت أو أمرت أو تجاهلت هذه الأفعال، في خرق واضح للدستور الانتقالي والقانون السوداني.
توظيف النيابة العامة والقضاء لإضفاء غطاء شكلي على قرارات أمنية مسبقة يمثل انهيارًا لمبدأ الفصل بين السلطات. القضاء، بدل أن يكون فضاءً للعدالة، يتحول إلى أداة للقمع، ما يجعل المحاكم مسرحًا لإعادة إنتاج الظلم تحت لافتة القانون، وهو ما يشكل جريمة مركبة بحق الدولة والمجتمع. هذا الواقع يوضح بجلاء أن السلطة الحالية فقدت أي شرعية أخلاقية أو سياسية، وأن حكمها يستند على الخوف والقمع وليس على العدالة أو القانون.
من منظور القانون الدولي، تُعد هذه الانتهاكات جرائم جسيمة لحقوق الإنسان، تشمل الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري وانتهاك الحق في محاكمة عادلة، وهي محرّمة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، وكلاهما صادق عليه السودان. مبدأ مسؤولية القيادة في القانون الدولي يحمّل القادة العسكريين والأمنيين المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة من قبل مرؤوسيهم إذا علموا بها أو كان ينبغي أن يعلموا بها ولم يتخذوا إجراءات لمنعها أو معاقبة مرتكبيها، ما يضع القيادة العسكرية السودانية تحت المساءلة المباشرة.
التوثيق اليوم ليس مجرد عمل حقوقي، بل أداة مقاومة قانونية. كل اعتقال، كل محاكمة صورية، كل إخفاء قسري، يُعد لبنة في ملف مساءلة مستقبلي، ويؤكد أن الإفلات من العقاب مؤقت، وأن أي دولة تستخدم القانون كسلاح ضد شعبها تمهد لانهيارها. القوة قد تُخيف، لكنها لا تُبرئ، والقمع قد يُسكت، لكنه لا يُسقط الحق.
ليست هذه دعوة للشفقة، بل إدانة سياسية وقانونية واضحة لمسار يقود السودان إلى دولة بوليسية. هذه السلطة بلا شرعية أخلاقية، ولا أهلية سياسية، وسيُسأل قادتها غدًا أمام شعبهم والتاريخ وآليات العدالة الدولية عن كل قرار، كل صمت، وكل أمر بالقمع والانتهاك.




