
ابو عبدالله الراشدي
الذين يبيعون المبادئ بأثمان دنياهم، لن يبيعوا التاريخ أبداً، لكنه سيحكم عليهم بالقسوة
في مشهد من أكثر المشاهد إحراجًا للسودان، تداولت وسائل الإعلام أن الإمام أحمد المهدي سلم رئيس سلطة بورتسودان المختطفة وثيقة يُسَمّى أنها “عهد وميثاق كيان الأنصار”. وما يزيد الموقف وقاحةً هو أن هذا الرجل، بلا تاريخ نضالي، بلا إنجاز فكري، بلا موقف سياسي أو ديني، يجرؤ على التحدث باسم جماعة الأنصار التي لم يعد لها أي صلة به.
لنكن واضحين: الأنصار الحقيقيون هم مع الإمام الصادق المهدي طيب الله ثراه، الذي ترك إرثًا من النضال الوطني والسياسي والديني، وصمد في وجه الطغيان والديكتاتوريات المتعاقبة من عبود إلى النميري، ثم نظام البشير القمعي. أما أحمد المهدي، فلا سجل له، ولا موقف وطني، ولا أي إرث يذكر. كل ما يقدمه هو شعارات فارغة ووثائق وهمية لإضفاء شرعية على سلطات فاقدة للشرعية الحقيقية.
الأدهى من ذلك، أن هذا الرجل يبدو وكأنه سادن لكل الدكتاتوريات والعسكرتاريات. بينما يواصل الجيش وقوات الدعم السريع ارتكاب المجازر في بورتسودان وغيرها من مناطق الأنصار، نجد أحمد المهدي يقدم لهم وثائق مزعومة وكأنها ختم شرعي، في مشهد من السخرية السياسية والفجور الأخلاقي. أي استهزاء بالتاريخ وبضحايا الأنصار! أي خداع للمجتمع!
تسليم هذه الوثائق لمن يقتل أبناء الأنصار هو خيانة صارخة لكل القيم الوطنية والأخلاقية. الإمام أحمد لم يعد قائدًا دينيًا، ولا سياسيًا، بل أصبح مجرد واجهة لتبييض أعمال الأنظمة القمعية، وغطاء لآلة قتل مدنية ممنهجة. تصرفاته تثبت أنه رجل بلا موقف، بلا ضمير، بلا تاريخ، وكالماء لا لون له ولا طعم ولا رائحة. هو مجرد أداة في يد القوى التي تزرع الرعب والفوضى.
الأمر لا يقتصر على السياسة الداخلية فقط، بل يمتد لتشويه الإرث الديني والأخلاقي للأنصار. أي شخص يسمي نفسه إمامًا ويتواطأ مع القمع، ويربط اسمه بالانتهاكات ضد الشعب، هو وصمة عار في التاريخ، مثال حي على الانتهازية الأخلاقية والفراغ القيادي. كل وثيقة، كل تصريح، وكل خطوة يقوم بها أحمد المهدي لإضفاء شرعية وهمية على الانقلابات أو للسلطات الفاقدة للشرعية، تزيده بعدًا عن التاريخ، وتثبت أنه جزء من الأزمة وليس حلها.
هذا الرجل جعل نفسه واجهة لقتل المدنيين وسحق الثورة السودانية. قيادته الوهمية تهدف فقط إلى تمرير مصالحه الشخصية على حساب الشعب، وتسويق سلطات القتل والقمع وكأنها مشروعة. وهو بذلك يشارك في كل مجزرة، ويصادق على كل انتهاك، ويكمل إرث الدكتاتوريات السابقة بدلًا من أن يكون جزءًا من الحل أو الحفاظ على إرث الأنصار.
الإمام أحمد المهدي بهذا الفعل يثبت أنه خائن للتاريخ وللأنصار وللمبادئ الوطنية. كل وثيقة يسلمها، وكل كلمة يقولها باسم الأنصار، هي شهادة على أنه جزء من آلة القمع، ويزيد في تزييف الواقع السياسي السوداني، ويقدّم شرعية وهمية لمن يقتل شعبه ويحتكر السلطة.
إن التاريخ لن يغفر له هذا التواطؤ. القوة قد تخيف الناس، والقمع قد يسكتهم، لكن الحق لن يسقط، والتاريخ لن يغفر، وسيأتي يوم الحساب. الإمام أحمد سيُسأل عن كل قرار، وكل صمت، وكل خطوة ساعدت بها الأنظمة القمعية على ارتكاب الجرائم، عن كل قتل، عن كل وثيقة مزعومة. هو ليس إمامًا، ولا زعيمًا، ولا صاحب موقف وطني؛ هو مجرد سادن للدكتاتوريات، وصدى فارغ لمبادئ غُسلت من أي معنى.
في نهاية المطاف، يبقى أحمد المهدي وصمة عار على إرث الأنصار وعلى الثورة السودانية. لا شرعية له، لا موقف، لا أخلاق، وكل محاولاته للتظاهر بالقيادة الوطنية هي مجرد خداع فاضح. كل من يراقب المشهد يرى الحقيقة جلية: الإمام أحمد المهدي ليس سوى أداة، والعدالة ستلاحقه عاجلاً أم آجلاً.




