
حسن عبد الرضي الشيخ
ليس أخطر على الحقيقة من مثقفٍ يكتب بنصف عقل، ولا أفتك بالوعي من قلمٍ يُطفّف المكيال؛ فيُدين الضعيف ويُبرِّئ القوي، ويجلد الضحية بينما يُلمِّع الجلاد. هذا بالضبط ما فعله د. محمد البخيت في مقاله عن نقابة المعلمين، حيث قدَّم نموذجًا فجًّا للانتهازية الفكرية، ولعق الأحذية السياسية تحت لافتة التحليل الموضوعي.
كيف لدكتور في تشخيص أزمات التعليم والنقابات وسياسات التعليم – كما يدّعي – أن يغضّ الطرف عن أكثر من ثلاثين عامًا كاملة من التخريب الممنهج للتعليم؟
ثلاثة عقود ونيف من حكم الإنقاذ لم تُبنَ فيها مدرسة تليق بالاسم، ولم يُحترم فيها معلم، ولم تُصن فيها كرامة مهنة.
ثلاثون عامًا صُنعت فيها نقابات على مقاس السلطة، بلا ديمقراطية، بلا قواعد، بلا أنياب؛ مجرد ديكور سلطوي لتكميم الأفواه.
ثم يأتي د. بخيت، بكل هذه الخفّة، ليُحمِّل حكومة الثورة – التي لم تُكمِل عامًا واحدًا على كراسي سلطةٍ مُلغّمة – وزر الخراب كله، ويُعفي حكومة الانقلاب التي أعادت ذات أدوات القمع، وذات العقلية، وذات الإهمال، بل وعمَّقته، فقط لأنها كافأته بمنصب مدير مدرسة متواضعة! وكيف للدكتور ان ينسى او يتناسى خمس أعوام حسوما من عسف حكومة البرهان التي دمرت كل شيء.
أي ميزانٍ هذا؟
وأي أخلاقٍ مهنية تسمح بهذا الانحدار؟
حكومة الثورة… حقائق لا تُمحى
الحكومة التي يهاجمها الدكتور هي ذاتها التي:
أجلسَت طلاب وتلاميذ ولاية الخرطوم للامتحانات مجانًا.
ورفعت عن كاهل أولياء الأمور عبئًا ماليًا لم تُعفَ منه الأسر منذ أكثر من أربعين عامًا.
حفَّزت المعلمين ورفعت مرتباتهم إلى أعلى مستوى شهدته المهنة تاريخيًا.
أعادت الاعتبار للمعلم بوصفه ركيزة لا عبئًا.
فهل يُعقل بعد هذا أن تُختزل أزمة التعليم – الممتدة منذ عقود – في عامٍ واحد؟
وهل يُعقل أن يُنسى أن هذه الحكومة نفسها حوصرت، وعُطِّلت، وخُنِقت من بقايا النظام الذي يُبرِّئه الدكتور اليوم بالصمت أو التواطؤ؟
إن النقابة التي يعذرها الدكتور ما هي إلا شماعة ألبسوها زورا وبهتانا “جبة” نقابة المعلمين – إذ عليها من الملاحظات ما تنوء بحمله الجبال – نعم، هي ليست دولة، ولا وزارة مالية، ولا بنكًا مركزيًا.
لكنها نتاج واقعٍ مشوَّه، ومحاولة بائسة لزيادة القمع لصوتٍ صادرته أنظمة القهر.
لكن د. بخيت، بدل أن يضع الإصبع على الجرح الحقيقي، اختار الطريق الأسهل:
البحث عن المعاذير لنقابة السلطة التي لم تكل يوما عن وظيفة تبييض وجه السلطة القبيح.
الغريب – بل الفاضح – أنه يتحدث عن حكومة حمدوك وإدارة التعليم فيها، على وجه الخصوص، بأنها «إدارة بعاطفة الثورة لا بعقل الدولة»، متناسيًا أن من دمَّر عقل الدولة أصلًا هم ذاتهم الذين خدمهم، أو صمت عنهم، أو استفاد منهم.
الخلاصة
ليست أزمة التعليم أزمة نقابة.
وليست أزمة الثورة أنها حاولت.
الأزمة الحقيقية هي مثقفون يبيعون الحقيقة بالتقسيط، ويكتبون بما يُرضي السلطة لا بما يخدم الوطن.
في معركة الوعي:
ليس كل من كتب صادقًا،
ولا كل من لبس ثوب التحليل نزيهًا.
لكن المؤكَّد أن من دمَّر ثلاثين عامًا، وأسكت المعلم، وكسَّر المدرسة، أولى بالمحاسبة،
لا من حاول – ولو لعامٍ واحد – أن يُعيد للتعليم بعض كرامته.
أما الأقلام التي تلعق أحذية المنافقين،
فستبقى – مهما تجمَّلت – شاهد زور في محكمة التاريخ.




