رأي

سلسلة كشف المستور (16) عقدة النخبة – الأفندي المخصي سياسيًا  ​ملف العدالة “ميزان الجزار” ​ممنوع اللمس: دولة (الحصانات) التي جعلت دماءنا أرخص من حبر القاضي ​

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

​ مجدي محمد مصطفى ماكن

​في الدول المحترمة، الحصانة تُمنح لـ “الوظيفة” وليس لـ “الشخص”، وتُرفع فوراً إذا ارتكب الموظف جريمة، خاصة إذا كانت قتلاً.

أما في دولة “الأفندي” (دولة 56)، الحصانة هي “درع مقدس”. هي الخط الفاصل بين “السادة” (العسكر والأمن) وبين “العبيد” (بقية الشعب).

لقد صمموا ترسانة من القوانين (قانون القوات المسلحة، قانون الأمن الوطني، قانون الشرطة) تتضمن مادة شيطانية واحدة تكررت فيهم جميعاً،

“لا يجوز اتخاذ أي إجراءات قانونية ضد العضو إلا بعد موافقة قائده.”

​هذه الجملة القصيرة هي التي قتلت مئات الآلاف من السودانيين.

إنها تعني ببساطة: “اقتل كما شئت، ولن يسألك أحد طالما قائدك راضٍ عنك.”

هذه ليست قوانين.. هذه “رخصة رسمية للقتل” (License to Kill).

​1. الإفلات من العقاب: سياسة، وليست صدفة

لماذا يقتل الجندي أو ضابط الأمن المتظاهرين بدم بارد ويصور نفسه وهو يضحك؟

ليس لأنه مجنون، بل لأنه “مطمئن”.

هو يعلم يقيناً أنه “محصن”. يعلم أن النيابة العامة لا تستطيع استدعاءه، وأن الشرطة لا تجرؤ على القبض عليه، وأن القاضي لا يملك سلطة عليه.

في دارفور، أُبيدت قرى بأكملها. هل حوكم ضابط واحد؟ لا.

في كجبار، وبورتسودان، والعيلفون.. القتلة معروفون بالاسم والرتبة، لكنهم يسيرون بين الناس أحراراً، بل ويتم ترقيتهم!

الحصانة حولت المؤسسة العسكرية والأمنية من “حامية للحدود و الدستور” إلى “عصابة فوق القانون”.

​2. “رفع الحصانة”: المستحيل الرابع

الخدعة الكبرى التي يمارسها وزير العدل والنائب العام دائماً هي جملة: “خاطبنا الجهات المختصة لرفع الحصانة عن المتهمين”.

هذه كذبة لامتصاص الغضب الشعبي.

في الواقع، القائد العام (الأفندي الأكبر) لا يرفع الحصانة أبداً عن “أبنائه” إلا في حالات نادرة جداً تكون “كبش فداء” لتهدئة الرأي العام.

لماذا؟ لأن رفع الحصانة يعني انهيار “عقيدة الولاء”.

إذا شعر الضابط أن الدولة قد تسلمه للمحاكمة، فلن يطيع الأوامر القذرة في المرة القادمة.

لذلك، تحرص الدولة العميقة على حماية “القتلة الصغار” لكي تضمن بقاء “القتلة الكبار” في مأمن. إنها سلسلة من التواطؤ تبدأ من العسكري الذي يضغط الزناد وتنتهي عند الجنرال الذي يجلس في القصر.

​3. “28 رمضان”: عندما تغيب الحصانة عن “الضحية”

لنعرف نفاق هؤلاء، لنقارن بين حالتين:

​عندما قتل ضباط “حركة 28 رمضان” الذين كانوا منهم وفيهم ولكن اختلفوا معهم: هل تمتع هؤلاء بالحصانة؟ هل حوكموا محاكمة عادلة؟

لا.. تم إعدامهم في ساعات، ودُفنوا في حفرة مجهولة، ولم يسمح لأسرهم حتى بالبكاء.

​بينما قتلة “فض الاعتصام” الذين وثقت الكاميرات وجوههم يتمتعون بالحصانة الكاملة، وتشكل لهم “لجان تحقيق” تستمر لسنوات دون نتيجة.

​الدرس المستفاد: الحصانة في السودان ليست حقاً قانونياً، بل هي “امتياز سياسي” يمنح للموالين، ويُنزع عن المعارضين.

​4. البقرات المقدسة: المواطن في خدمة “البوت”

لقد رسخ قانون الحصانات ثقافة “البقرات المقدسة”.

سيارة الجيش، أو عربة “التاتشر” التابعة للأمن، لها الأولوية في الشارع، وتقطع الإشارة الحمراء، وتدهس المواطن، ولا يجرؤ شرطي المرور على إيقافها.

إذا تشاجر مواطن مع فرد أمن في مخبز أو طلمبة وقود، يجد المواطن نفسه في السجن بتهمة “إعاقة موظف عام”، بينما فرد الأمن يخرج منتصراً.

لقد جعلوا “البوت العسكري” أعلى مكانة من “الرأس المدني”.

أصبح المواطن يشعر أنه “ضيف ثقيل” في بلده، وأن المالك الحقيقي للأرض هو من يحمل السلاح والبطاقة العسكرية.

​5. إسقاط “صنم” الحصانة

العدالة لا تتجزأ. لا يمكن أن نتحدث عن “دولة مدنية ديمقراطية” ونحن نبقي على هذه القوانين التي تقدس العسكر.

مشروع التأسيس الجديد يضع شرطاً غير قابل للتفاوض: “إلغاء كافة الحصانات الإجرائية”.

​الجندي، والضابط، والوزير، والغفير.. كلهم سواسية أمام وكيل النيابة.

​من يقتل يُقتل، ومن يسرق يحاسب(بالقانون)، كائناً من كان.

​المؤسسة العسكرية وظيفتها “الدفاع عن حدود الدولة”، وليست وظيفتها “القتل والإفلات من العقاب”.

في عقيدة الجيش الجديد ​يجب أن يعلم كل من يحمل سلاح الدولة، أن هذا السلاح لا يحميه من حبل المشنقة إذا وجهه لصدر مواطن بريء.

في السودان الجديد.. لا أحد فوق القانون، ولا أحد “ممنوع اللمس”.

 

​#الأبارتهايد_المنقب

#ميزان_الجزار

#سقوط_الحصانات

#رخصة_القتل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!