
نجم دريسة
“أسوأ الجرائم تبدأ بفكرة مقدّسة” – ألبير كامو
منذ أن تمددت ظلال الهوس الديني فوق السودان، لم يعد الوطن كما كان. لم تعد الأرض أرضاً تسع أبناءها، ولا الدولة دولةً تحرس العقد الاجتماعي، بل غدت ساحة يتنازعها خطاب يتدثر بالدين بينما يحمل في جوفه مشروعاً يقوم على الإقصاء والعنف وإعادة هندسة المجتمع بالقوة.
إنها واحدة من أكثر التجارب قسوة في تاريخ السودان الحديث، تجربة تداخل فيها استغلال المقدس مع مطامع السياسة، فخلقت نظاماً يبتلع الدولة ويعيد تشكيلها وفق رؤى عقائدية مغلقة، لا ترى في التنوع نعمة بل خطراً، ولا في الاختلاف ثراءً بل هرطقة.
“حين يختلط الدين بالسلطة، يفسد الاثنان” – علي عبد الرازق
منذ الانقلاب الذي حمل الحركة الإسلاموية إلى الحكم، لم تعد مؤسسات الدولة سوى أذرع تنفيذية لمشروع أحادي، يفرض تفسيراً واحداً، وهوية واحدة، وولاءً واحداً. باسم الدين جرى تفريغ الخدمة المدنية، تطييف الجيش والأمن، صناعة اقتصاد ظلٍ متوحش، وإطلاق ماكينة إعلامية ضخمة مهمتها الأساسية خلق عدو دائم داخل المجتمع.
المفارقة أن هذه الجماعات قدمت نفسها كمنقذ، كرسالة تجديدية تعيد للأمة مجدها. لكن ما حدث كان العكس تماماً: فقد أُشعلت الحروب، وعمّ التمزق، وانغلقت البلاد على ذاتها، وارتُكبت فظائع في الأقاليم الهشّة تحت رايات دينية مصطنعة لا تمت لجوهر الإسلام بصلة.
“لا توجد كراهية أخطر من تلك التي ترتدي عباءة الفضيلة” – فولتير
لقد كان خطاب الهوس الديني مبنياً على رؤية تبسيطية للعالم:
هناك من هو معنا، ومن ليس معنا فهو ضد الدين، ضد الوطن، ضد “المشروع الحضاري”.
وبهذه الثنائية القاسية تحوّل ملايين السودانيين إلى أهداف قابلة للقمع والشيطنة والتكفير.
هكذا انفجرت الحروب من دارفور إلى جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة، لأن كل خلاف سياسي حُوّل إلى معركة بين الإيمان والجاهلية، بين الطاعة والتمرد، بين النور والظلام.
إن أخطر ما فعله هذا المشروع ليس عدد القتلى ولا حجم الدماء فحسب، بل ضرب فكرة الدولة الوطنية نفسها. الدولة التي تقوم على المواطنة والقانون صارت تُدار بمنطق التنظيم السري: الولاء قبل الكفاءة، الطاعة قبل القانون، المصلحة الحزبية قبل المصلحة العامة.
“لا يمكن بناء وطن على الخوف، ولا بناء دولة على الكراهية” – نيلسون مانديلا
ولأن السلطة حين تستند إلى القداسة تصبح عصيّة على النقد، تكاثرت الانتهاكات بلا حساب.
من التعذيب في بيوت الأشباح، إلى التطهير العرقي في الأطراف، إلى الفساد الاقتصادي الواسع الذي التهم موارد البلاد كما يلتهم الجفاف الحقول.
ورغم كل هذا، ظل الخطاب الرسمي يكرر وعوداً حالمة:
نهضة، مشروع حضاري، تمكين للشباب، عدالة اجتماعية…
لكن الواقع كان يقول شيئاً آخر تماماً:
فقر، عزلة دولية، تفكك اجتماعي، وهجرة ملايين الشباب بحثاً عن وطنٍ بديل.
“الشعوب لا تُهزم إلا حين تفقد ذاكرتها” – جورج أورويل
واليوم، بعد الثورة، وبعد انكشاف جزء كبير من هذه التجربة، تحاول جماعات الهوس الديني العودة بأسماء جديدة وخطابات مصقولة. وهي تتقن لعبة التخفي:
أحياناً بلغة وطنية، أحياناً بخطاب ديمقراطي، وأحياناً عبر التسلل إلى الفضاء الرقمي بصورة تبدو حداثية بينما تحمل في جوهرها نفس العقلية القديمة: عقلية الاستحواذ، التكفير، والتحريض.
السودان يقف الآن عند مفترق طرق. فإما أن يعيد إنتاج المأساة، وإما أن يواجه الحقيقة:
أن العدو الأكبر للدولة المدنية هو استغلال الدين لتحقيق هيمنة سياسية، وأن بناء وطن جديد لا يتم عبر المصالحة مع الماضي الدموي، بل عبر تفكيك البنية الفكرية التي أنتجت التطرف، وبناء دولة حديثة تقوم على القانون وحقوق الإنسان والمساواة.
“لن نصنع المستقبل إن كنا أسرى الماضي” – طه حسين
المعركة ليست مع جماعة بعينها، بل مع منظومة فكرية صنعت مجتمعاً منقسمًا، وسياسةً متعفنة، وسلطةً ترى نفسها فوق النقد.
ولذلك يجب أن تكون المواجهة شاملة:
مواجهة ثقافية تعيد تعريف معنى التدين كقيمة روحية لا مشروعاً سلطوياً.
مواجهة سياسية تقطع الطريق أمام عودة التمكين بأية صورة.
مواجهة مجتمعية تكسر احتكار الخطاب الديني وتعيده إلى فضائه الطبيعي: فضاء الحرية والتنوع.
إن السودان لا يستحق أن يقاد مرة أخرى نحو الظلام.
ولا يمكن لشعب تعلّم الدرس بدمائه أن يسمح بتكرار الكارثة.
لقد حان الوقت لرفع الغبار عن الحقيقة:
أن الهوس الديني لم يكن سوى قناعاً لسلطة جائعة، وأن بناء وطن عادل يبدأ من تحرير الدين من السياسة، وتحرير السياسة من القداسة.




