
عادل تاج الدين جار النبي.. تكساس
Consultant @ JARO Projects & Consulting
ليس كل ما يدور داخل البيوتات التاريخية مؤهلًا لأن يتحوّل تلقائيًا إلى موقف عام، ولا كل مقامٍ أسري، مهما علا شأنه رمزيًا، يمنح صاحبه شرعية سياسية أو جهادية تخوّله التحدّث باسم كيانٍ وطني واسع. فالفصل بين الخاص والعام ليس ترفًا نظريًا، بل شرطٌ أصيل لصيانة معنى التمثيل وحماية الكيانات الجماعية من التوظيف.
من هذا المنطلق، فإن الحديث الذي أدلى به عبد الرحمن عن السيد أحمد المهدي بوصفه إمامًا لأسرة الإمام المهدي عليه السلام يظل، في جوهره، شأنًا داخليًا محضًا، يخص أسرة المهدي وحدها، ولا يترتب عليه أي أثر مؤسسي أو التزام سياسي على كيان الأنصار. فإدارة الشأن الأسري، مهما بلغت رمزيته، تظل محكومة بسياقها الخاص ولا يجوز إسقاطها تلقائيًا على المجال العام.
غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عند لحظة الانتقال من هذا الإطار الأسري الضيق إلى الفضاء السياسي العام. فوثيقة العهد التي قُدِّمت إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان لم تُقدَّم بصفة أسرية، ولا باعتبارها رأيًا خاصًا لآل المهدي، وإنما قُدِّمت باسم الأنصار وإمامهم. هنا، تحديدًا، يصبح الاعتراض ليس فقط مشروعًا، بل واجبًا أخلاقيًا وسياسيًا.
فالأنصار ليسوا لقبًا موروثًا، ولا كيانًا قابلًا للاستعارة عند المنعطفات الحرجة. الأنصار حركة تاريخية تشكّلت عبر مسيرة طويلة من الجهاد والتضحيات والانحيازات الوطنية الواضحة، واستمدّت شرعيتها من الفعل والموقف، لا من النسب أو القرابة. ومن ثم، فإن تمثيلهم لا يُكتسب بالوراثة، ولا يُمنح بقرار فردي، بل يتأسس على تاريخ نضالي واضح، ومشروعية جماعية راسخة.
ومن هذا المنظور، فإن السجل العام للسيد أحمد المهدي لا يقدّم ما يعضد الادعاء بامتلاكه شرعية أنصارية جهادية تخوّله الحديث باسم الكيان. لا في مسيرته، ولا في مواقفه، ولا في حضوره التاريخي داخل صفوف الأنصار، ما يمكن اعتباره امتدادًا عضويًا لتقاليدهم النضالية. والتاريخ، لا العاطفة ولا المجاملة، هو الحكم الفاصل في قضايا من هذا النوع.
أما كونه كبيرًا لآل المهدي، فذلك شأن محترم يظل محصورًا داخل الإطار الأسري، ولا يجوز توسيعه قسرًا ليشمل الأنصار أو يُلزمهم سياسيًا أو وطنيًا. فالخلط بين الرمز الأسري والكيان الجهادي لا يسيء فقط لمعنى التمثيل، بل يعيد إنتاج تصورات تقليدية تحاول اختزال الجماعة في فرد، والتاريخ في نسب.
إن ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة تعريف الأنصار خارج سياقهم الحقيقي، وتحميلهم مواقف لم يُفوّضوا بها، في لحظة وطنية شديدة الحساسية. وهو أمرٌ لن يقبله الوعي الأنصاري، ولا ذاكرة السودان التي تعلّمت، عبر تجاربها القاسية، أن الشرعية لا تُمنح، بل تُنتزع بالفعل والموقف والانحياز الصادق لقضايا الناس.




