
د. يعقوب آدم عبدالشافع
تُعد تجربة السودان عبر تاريخه الطويل تجربة معقدة في التعددية، التنوع الثقافي والإثني، والصراعات السياسية التي شكلت وعي الأجيال. من هذه التجارب نتعلم أن الاعتراف بالآخر واحترام التنوع ليس خيارًا بل ضرورة حتمية لبناء وطن مستقر وعادل. فقد أظهرت الأحداث الأخيرة، بما في ذلك مسرحية كمبالا السياسية، أن خدع الماضي والوصايا الاستعلائية لم تعد مجدية، وأن الطريق نحو السودان الجديد يمر عبر تقوية الوعي المجتمعي وإدراك الحقوق والواجبات لكل المواطنين.
ما حدث في كمبالا كشف عن نقص النص والإخراج والكمبارس، وهو ما يعكس عدم جدية بعض الأطراف في فهم حجم الكتلة السودانية، الحاملة فعليًا لواء التحرير والحرية. لم تعد الشعارات القديمة التي كانت تعكس التفرد والاستعلاء، مثل شعار “خم العنصري المغرور”، قابلة للتطبيق، لأن الوعي الجماهيري أصبح واسعًا وعميقًا. من مظاهرات ود مدني إلى الخرطوم وأم درمان، ومن دارفور وكردفان إلى عطبرة، أظهرت الجماهير السودانية إدراكها لحقوقها ومطالبها المشروعة، وهي تدرك أن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على التهميش المنهجي باسم الدين أو الولاء الشخصي، بل على العدالة والمساواة.
إن رؤية دولة الولايات المتحدة السودانية المستقبلية، التي تقوم على ثمانية عشر ولاية متكاملة، تقوم على المصالح الوطنية المشتركة، التنمية، وتقديم الخدمات الأساسية لجميع المواطنين، تمثل خطوة حقيقية نحو تجاوز النزاعات التاريخية. في هذه الدولة، يُقاس الولاء والكفاءة بالمؤهل والخبرة، والالتزام بالضمير الحي، والقيم الإنسانية الأصيلة، بدلًا من الولاءات العشائرية أو الطائفية. هذه التجربة الجديدة تستند إلى تعزيز المواطنة واحترام الحقوق والواجبات، واستثمار العقل البشري والموارد الوطنية بكفاءة وعدالة.
كما تؤكد التجارب التاريخية أن كل قرن يجدد أجياله وأخلاقه ودينه، وأن السودان الذي اعتمد على التجارب الفاشلة والممارسات التقليدية، لن يستطيع التقدم إلا من خلال إدارة التنوع بشكل عقلاني واستراتيجي، واستثمار العقول في التنمية والتطوير. لقد حان الوقت لإنهاء نمط الدولة المزرعة المجانية التي أعادت إنتاج الفشل، والانتقال إلى دولة مؤسسات وطنية قائمة على أسس علمية، سياسية، واجتماعية متينة.
إن ما نتعلمه من كمبالا وما قبلها هو أن حتمية التغيير والوعي الجماهيري لا يمكن تجاهلها، وأن مستقبل السودان الجديد مرتبط بتوحيد الجهود حول دولة اتحادية عادلة، تحترم التنوع، وتستثمر الموارد البشرية والمادية لصالح كل المواطنين. وبهذا، يتحقق الهدف الأكبر: دولة سودانية حرة، مستقلة، وديمقراطية، تُعلي قيم العدالة والمساواة، وتفتح الطريق أمام أجيال قادرة على البناء والتقدم والازدهار.
السودان الجديد يحتاج إلى عقل واعٍ، ضمير حي، ونظام يحترم التاريخ ويستثمر المستقبل، بعيدًا عن التجارب الفاشلة والممارسات الموروثة، ليصبح نموذجًا للسلام والعدالة في المنطقة.




