
عبد الرحمن أبو رندة .. بنسلفانيا
حين يصفّق الإعلام للبيان العسكري، فاعلم أن الحقيقة قد أُعدِمت، وأن الكذب أصبح خبراً عاجلاً
لم تعد المشكلة في انحياز قناة إخبارية لطرفٍ ما، فذلك أصبح مكشوفاً ومستهلكاً، بل في انزلاقها الكامل من فضاء الصحافة إلى مربع الدعاية، ومن نقل الخبر إلى الاحتفال به. ما جرى ويجري في تغطية الحرب السودانية يكشف أن بعض المنصات لم تفقد حيادها فقط، بل تخلّت عن مهنيتها بإرادة واعية، وقررت أن تكون جزءاً من المشهد لا شاهدة عليه.
الاحتفاء ببيانات عسكرية كاذبة، وبثّها بصيغة المنتصر، وتمريرها بلا مساءلة أو تفكيك أو حتى مسافة نقدية، ليس خطأ تحريرياً ولا زلة مهنية. إنه اختيار سياسي واضح. الإعلام الذي يضع نفسه في صفّ القوة المسلحة، ويتبنى لغتها، ويصفّق لسرديتها، لا يمكنه الادعاء بأنه ينقل الواقع. هو ببساطة يعيد إنتاجه وفق رغبة الطرف الذي اختاره.
في الحروب، تكون الحقيقة أول الضحايا، لكن دور الإعلام أن يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا أن يطلق الرصاص عليها من مسافة صفر. حين تُبث البيانات العسكرية كما هي، وتُقدَّم الهزائم كانتصارات، ويُحتفى بالتقدم الوهمي بينما المدن تحترق، فإن الشاشة تتحول إلى منصة تبييض سياسي، لا نافذة معرفة.
الخطير في هذا المسلك أنه لا يعتمد فقط على الكذب، بل على انتقاء مدروس للواقع. ما يُعرض ليس ما يحدث، بل ما يُراد للناس أن يروه. تُضخّم مشاهد محددة، وتُهمّش مجازر موثقة، وتُمحى مدن كاملة من الخارطة الخبرية لأنها لا تخدم الرواية المعتمدة. هذا ليس صمتاً بريئاً، بل مشاركة فعلية في الجريمة المعنوية.
وحين يصل الأمر إلى لحظة يصبح فيها المذيع أقرب إلى ناطق غير رسمي، والمراسل أقرب إلى مروّج، فإننا نكون أمام اغتيال متعمّد للحقيقة مع سبق الإصرار والترصد. فالسؤال لم يعد: ماذا حدث؟ بل: ما الذي يُسمح له أن يُقال؟ ومن يُمنع من أن يُرى؟
هذه الممارسة لا تُضلّل الجمهور الخارجي فقط، بل تحاول أيضاً كسر وعي الداخل. لكنها تفشل، لأن من يعيش الحرب لا يحتاج إلى شاشة تخبره بما يرى بعينيه. الواقع السوداني أقسى من أن يُجمَّل، وأوضح من أن يُعاد اختراعه في غرف التحرير. لذلك تنهار الرواية المصنوعة عند أول احتكاك بالحقيقة اليومية.
المشكلة الأكبر أن هذا النوع من التغطية يطيل أمد الحرب. حين تُمنح البيانات العسكرية شرعية إعلامية، وحين يُغذّى الوهم بالانتصار، تُشجَّع الأطراف على الاستمرار، وتُغلق أي نافذة لمساءلة أو محاسبة. الإعلام هنا لا ينقل الحرب، بل يشارك في إدارتها نفسياً وسياسياً.
وليس صحيحاً أن ما يجري يمكن تبريره بالسرعة أو تعقيد المشهد. المهنية تُقاس تحديداً في الأوقات المعقدة. الصحافة الحقيقية تظهر في الفوضى، لا في البيانات الجاهزة. أما الاكتفاء بإعادة تدوير الخطاب العسكري، فهو استقالة صريحة من دور الصحافة.
إن التصفيق للجيش، أو لأي قوة مسلحة، لا يسقط فقط ادعاء الحياد، بل يكشف غياب الاستقلال من جذوره. فالمؤسسة الإعلامية المستقلة لا تحتفل بالقتل، ولا تروّج للبيانات، ولا تقفز فوق الأسئلة الصعبة. هي تسأل، تشكّك، وتضع المسافة الأخلاقية بين نفسها وبين الرصاصة.
السودانيون لم يعودوا سذّجاً. خبروا إعلام الأنظمة، وذاقوا طعم التضليل لعقود. لذلك يدركون متى تتحول القناة من ناقل خبر إلى جزء من آلة الحرب. وما يُفقد الثقة ليس الانحياز فقط، بل الإصرار على إنكاره، والتعامل مع الجمهور وكأنه لا يرى ولا يسمع.
الإعلام الذي يختار موقعه في المعركة، يخسر حقه في المصداقية. ومن يصفّق للبيان، لا يملك أخلاق السؤال. وما نشهده اليوم ليس انحرافاً عابراً، بل مساراً مكتملاً نحو صحافة بلا ضمير، تحتفل بالكذب، وتغتال الحقيقة، وتطالب الناس بالتصديق.




