رأي

حين تتحول الأكاذيب إلى سلاح.. الدعاية السوداء في حرب الفاشر

أبو عبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

لا يوجد أسوأ من الدعاية السوداء حين تُستخدم لتزييف الوعي وكسب تعاطف العالم عبر الأكاذيب والفبركات. فمهما حاول أصحابها إخفاء الحقيقة، فإنها تظل كالجمر تحت الرماد، سرعان ما تنكشف حين تهدأ العاصفة، تمامًا كالمجرم الذي يظن أنه أزال كل أثرٍ لجريمته، لكنه يترك خلفه دليلًا صغيرًا يقوده إلى الإدانة.

وقد برز هذا المشهد مؤخرًا في مقطع الفيديو الذي بثّته ما تُعرف بـ”لجان مقاومة الفاشر”، في محاولةٍ جديدة لإثارة مشاعر الشفقة الإنسانية عبر مشاهد صُوِّرت بعناية لتوحي بأنّ سكان المدينة يأكلون جلود الأبقار من شدة الجوع. لكنّ ما لم يدركه من يقف خلف هذا المشهد المسرحي، أن الدليل ذاته فضح اللعبة.

فالجلود التي ظهرت في الفيديو كانت حديثة الذبح، ما يعني أن لحومها قد أُخفيت عمدًا، بينما عُرضت الجلود لتصوير المشهد وكأنه مأساة إنسانية.

إنّ الهدف من هذه الدعاية ليس إنصاف الحقيقة أو نقل معاناة المدنيين كما يُزعم، بل توظيف المعاناة في معركة إعلامية قذرة، لتشويه الحقائق وتوجيه الاتهامات نحو طرفٍ بعينه. إنها أساليب قديمة جديدة، ظلّ يتقنها جيش الحركة الإسلاموية وحلفاؤه من القوى المرتزقة كلّما حوصِروا عسكريًا أو هُزموا ميدانيًا، فيتحولون إلى سلاح الأكاذيب لتعويض فشلهم على الأرض.

والحقيقة التي لا بد من قولها إنّ مدينة الفاشر اليوم ليست كما يحاولون تصويرها في الإعلام؛ فغالبية من فيها إما مقاتلون أو مستنفرون جرى الزجّ بهم في أتون الحرب، أو رهائن في مناطق النزاع، وليسوا مدنيين يعيشون حياة طبيعية كما يُروّج. لذلك يصبح من السخف تصوير المشهد وكأنّ هناك مجاعة جماعية لتبرير مواقف سياسية أو لكسب دعم دولي.

جدير بالذكر أيضًا أن أكل الجلود ليس ظاهرة غريبة ولا مرادفًا للجوع كما يحاول صُنّاع الدعاية الإيحاء، بل هو عادة غذائية معروفة في بلدان إفريقية عديدة مثل نيجيريا وغيرها، حيث تُعد الجلود وجبة محلية شهية تُطهى بطرق مختلفة. لكن تحويلها إلى رمزٍ للجوع واليأس في سياق حربٍ إعلامية، هو قمة الاستغلال الإنساني والاستخفاف بوعي الناس.

إنّ الأكاذيب قد تنجح لحظيًا في خداع البعض، لكنها لا تبني رواية مقنعة ولا تحجب الشمس.

وفي النهاية، ستظل الحقيقة أقوى من كل ماكينة دعائية، لأنّ التاريخ لا يُكتب بالكاميرات المفبركة، بل بما تثبته الوقائع على الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!