رأي

كيف دمّر الكذب السياسة وأشعل الحرب: حكاية التضليل المستمر في السودان

سمية النور دهب.. دبلن

 

 سمية النور دهب .. دبلن 

في السودان، لم يعد الكذب مجرد خطأ في التصريحات أو مبالغة في الخطاب السياسي، بل أصبح أسلوب حكم متكامل. فهناك قوى سياسية بنت وجودها كله على تزييف الحقائق، وتقديم روايات مضللة، والتعامل مع الشعب على أنه قابل للخداع في كل مرة. المشكلة الحقيقية ليست في كذبة واحدة، بل في الإصرار الدائم على الكذب حتى بعد انكشافه.

منذ الانقلاب على الحكومة المنتخبة، ظل الكيزان يستخدمون الشعارات الدينية لتغطية ممارساتهم السياسية. تحدثوا باسم الإسلام، لكن أفعالهم كانت بعيدة عن قيمه. استُخدم الدين لتبرير القمع، وتبرير القتل، وتبرير الفساد، حتى فقد الخطاب مصداقيته، وبدأ الناس يرون التناقض الواضح بين الكلام والممارسة.

عندما خرج السودانيون في ثورة ديسمبر، كان ذلك تعبيرًا صادقًا عن الرفض. رفض للكذب، ورفض لحكم يقوم على الخداع. الثورة لم تكن مؤامرة كما صُوّرت، بل كانت صرخة شعب تعب من الوعود الفارغة والواقع القاسي. ومع ذلك، لم تتقبل القوى القديمة هذه الحقيقة، وسعت بكل الطرق لإفراغ الثورة من مضمونها.

عملوا على تعطيل الفترة الانتقالية، وأضعفوا الثقة بين القوى المدنية، وروّجوا للشائعات، حتى تصبح الفوضى مبررًا للعودة إلى التحكم من جديد. وعندما ظهر الاتفاق الإطاري كخطوة نحو بناء دولة مدنية، رأوا فيه خطرًا مباشرًا، لأنه يضع حدًا لدورهم، ويعيد الجيش إلى موقعه الطبيعي بعيدًا عن السياسة.

فشل الاتفاق لم يكن صدفة، بل نتيجة عمل منظم. ومع اشتعال الحرب، عاد الكذب بقوة أكبر. قُدِّمت الحرب على أنها معركة كرامة، بينما هي في الحقيقة صراع على السلطة. تحوّلت الهزائم إلى انتصارات في الخطاب الإعلامي، وتحوّل الدمار إلى إنجاز، وضاعت الحقيقة وسط الضجيج.

لكن الواقع لا يمكن إخفاؤه إلى الأبد. الحرب كشفت كل شيء، وكشفت أن الكذب لا يحمي وطنًا ولا يبني دولة. السودان اليوم يحتاج إلى الصدق، والاعتراف بالأخطاء، ووضع مصلحة الناس فوق مصالح الجماعات. بدون ذلك، سيظل الشعب يدفع ثمن الأكاذيب، مرة بعد مرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!