رأي

انهيار دولة الامتياز في السودان للأبد 

مها طبيق

 

مها طبيق 

ما يجري في السودان اليوم لا يمكن أن نصفه بالحرب العسكرية التقليدية ، ولكن هو في حقيقته انفلاتًا أمنيًا ، ولا يمكن احتواؤه بخطاب التهدئة ، هذا الانفجار المتأخر جاء نتيجة لتراكمات بنيوية رافقت الدولة السودانية منذ تأسيسها الحديث عام 1956 . هذه الحرب هي النتيجة المنطقية لمسار طويل تشكّلت فيه الدولة بوصفها جهاز امتياز ، واستخدمت العنف والتهميش والهشاشة الاجتماعية كأدوات حكم دائمة .

منذ الاستقلال ، لم تُبنَ الدولة السودانية على أساس المواطنة المتساوية . حيث ورثت النخبة المركزية بنية الحكم الاستعماري وأعادت إنتاجها لصالحهم ، فاحتكرت السلطة والثروة والمعنى ، وتحوّلت الدولة إلى فاعل صراعي تدير سلطة التنوّع بالقوة وحدها ، فحوّلت المواطنة إلى مكافأة وإمتياز لفئة النخبة ، وحولت الانتماء إلى اختبار ولاء ، والوطن إلى ملكية رمزية لمركز يرى نفسه الأصل ، وما عداه هوامش قابلة للإخضاع بالقوة الناعمة والخشنة أوالإهمال المدمر .

الحروب التي اندلعت في جنوب السودان ، ثم دارفور، وجبال النوبة ، والنيل الأزرق ، وشرق السودان ، هي مراحل مختلفة من الحرب ذاتها ففي حقيقتها هي حرب دولة ضد مجتمعها . حرب تُدار كلما فشلت أدوات الإقصاء الناعمة ، فتستخدم وسيلة اخرى عبر العنف المباشر ، أو التفويض المسلح ، أو التجويع والإفقار الممنهج . دولة صاغت العنف سياسة ، ثم تباكت عليه حين خرج عن سيطرتها .

ما يسقط اليوم هو العقل الوصي الذي حكم السودان لعقود وهو يتوهّم أنه الدولة ذاتها . عقلٌ شرعن العنف باسم الاستقرار ، ونفذ الإقصاء باسم الوحدة ، واحتكر تعريف الوطنية ، وصادر السياسة باسم الحكمة . ومع انهياره ، انكشفت هشاشة شرعية قامت على الوصاية ، وعلى القوة لا على العقد الاجتماعي .

الحرب الجارية تمثل ارتداد العنف إلى مركز الدولة بعد استنزاف الأطراف لعقود . فأصبح المركز غير قادر على احتكار القوة ولا المعنى ، فتحوّل الصراع من حرب على الهوامش إلى معركة على تعريف الدولة نفسها : من يملكها ؟ ولصالح من تُدار ؟ وعلى أي أساس تُبنى شرعيتها ؟ لذلك ، فإن اختزال المشهد في «أزمة انتقال» أو «توازن قوى» ليس سوى تواطؤ معرفي يعيد إنتاج الخراب ، لأنه يرفض تسمية الجرح باسمه الحقيقي هو دولة الامتياز .

بعد نهاية هذه الحرب تنتهي معها البناء بالترقيع ، وفهلوة تدوير النخب . إنها إذن القطيعة الواعية مع المنظومة التي صنعت الصراع منذ لحظة التأسيس . قطيعة تُنهي احتكار القرار والمعنى ، وتكسر مركزية ترى نفسها معيار الوطن ، وتؤسس التعدّد بوصفه قاعدة دستورية بلا زينة سياسية وتعيد السياسة إلى المجتمع بدل مصادرتها بالخداع . دولة قانون تُبنى على المواطنة المتساوية وحدها ، لا على القرب من المركز ولا على الطاعة .

انها نهاية سودان ما قبل هذه الحرب . انتهى لأن الواقع لم يعد يحتمل تعريفًا واحدًا للوطن ، ولا إدارة بعقلٍ واحد . وكل محاولة لإحياء الدولة القديمة ، تحت أي مسمى ، هي تأجيل لانفجار قادم . لذلك الخروج الوحيد يمر عبر تفكيك بنية الامتياز بلا تردد ، وبناء دولة المعنى المفتوح ، بعيدا عن دولة الوصاية .

 

مها الهادي طبيق 

6 فبراير 2026

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!