
مؤيد الأمين
مقدمة: السلطة التي لا تحتمل الذاكرة
لم يكن انقلاب عام 1989 مجرد انتقال قسري للسلطة، بل دشّن مشروعًا فكريًا متكاملًا سعى إلى إعادة تعريف التاريخ الوطني، لا عبر قراءته أو مراجعته، بل عبر إلغائه. فالمشروع الإسلاموي، منذ لحظته الأولى، تعامل مع الذاكرة بوصفها خطرًا، لأن الذاكرة تحتفظ بالأسئلة، والأسئلة لا تناسب سلطة تقوم على اليقين المصنوع.
تفريغ الأرشيف: حين يصبح النسيان سياسة عامة
مثّلت مكتبة الإذاعة والتلفزيون أحد أهم مستودعات الذاكرة الثقافية والفنية في السودان. وما جرى لها لم يكن نتيجة إهمال إداري، بل نتاج رؤية ترى في الأرشيف تهديدًا صامتًا. فالأغاني القديمة، والبرامج الحوارية، والتجارب الفنية المتنوعة، جميعها تشهد على مجتمع متعدّد، يصعب اختزاله في خطاب واحد. لذلك كان من الضروري، من وجهة نظر السلطة، تفريغ هذا الإرث، وتركه يتآكل، حتى يصبح غيابه أمرًا عاديًا لا يثير الأسئلة.
إغلاق الفضاء العام: الثقافة كخطر أمني
لم تتوقف الحملة عند الأرشيف، بل امتدت إلى الفضاء الثقافي نفسه. أُغلقت دور السينما، وضُيّقت المسارح، وتحوّل النشاط الثقافي إلى تهمة أخلاقية أو سياسية. فالمسرح، بطبيعته، مساحة للنقاش، والسينما أداة لإعادة قراءة الواقع، وكلاهما يُنتج وعيًا نقديًا. وفي نظام يفضّل الطاعة على الفهم، يصبح هذا الوعي غير مرغوب فيه، إن لم يكن معاديًا.
إعادة هندسة التعليم: من التفكير إلى التلقين
شهدت المناهج التعليمية عملية إعادة تشكيل عميقة، لم يكن هدفها التطوير بقدر ما كان الضبط. أُزيحت المواد والأساليب التي تحفّز التفكير النقدي، وحلّ محلها خطاب ديني عاطفي، يركّز على الامتثال أكثر من التحليل. والمفارقة اللافتة أن ذلك جرى تحت لافتة دينية، رغم أن النص الديني ذاته يضع القراءة والتفكر في صدارة القيم. غير أن القراءة، في هذا السياق، فُهمت باعتبارها تكرارًا لا مساءلة.
أجيال بلا أسئلة: النجاح الحقيقي للمشروع
لم ينتج هذا المسار أجيالًا جاهلة فقط، بل أجيالًا مُعاد تشكيل وعيها. أجيال تمتلك قاموسًا واسعًا من الشعارات، لكنها تفتقر إلى أدوات التحليل. وهذا الواقع لا يمكن اعتباره فشلًا للمشروع الإسلاموي، بل دليلًا على نجاحه. فالسلطة التي تستند إلى الجهل المنظم لا تخشى النقد، لأنها عملت طويلًا على تعطيل أدواته.
الحرب كنتيجة منطقية لا كحادث عارض
تقدّم الحرب الدائرة في السودان اليوم نموذجًا صارخًا لنتائج هذا المشروع. فالعنف لا يولد في فراغ، بل في بيئة جرى فيها إضعاف العقل الجمعي، واختزال الدين في التعبئة، والوطن في شعارات فضفاضة. وحين تغيب القدرة على التفكير، يصبح السلاح وسيلة طبيعية لحسم الخلاف.
سخرية الواقع: من هدم الثقافة إلى البكاء عليها
المفارقة الأكثر مرارة أن القوى ذاتها التي عملت على تفكيك الثقافة لعقود، تعود اليوم للحديث عن “انحطاط المجتمع” و(غياب القيم) وكأن هذا الانهيار وقع تلقائيًا، دون سياسات، ودون فاعلين، ودون مشروع متكامل استثمر في الجهل بوصفه ركيزة للحكم.
خاتمة: استعادة العقل قبل استعادة الدولة
إن الخروج من المأزق السوداني لا يمر فقط عبر إيقاف الحرب أو إعادة ترتيب السلطة، بل عبر تفكيك البنية الفكرية التي جعلت هذا الانهيار ممكنًا. فاستعادة الدولة تبدأ باستعادة العقل، وإعادة الاعتبار للثقافة، وللتعليم، وللذاكرة الوطنية التي حاول المشروع الإسلاموي محوها، لكنها ما زالت، حتى الآن، تقاوم النسيان.




