
د. إبراهيم مخير
بعد ان نجحنا في احداث خلخلة واسعة في نظام ٥٦ واصبح آيلاً للسقوط لا محالة ، من المهم الالتفات الي تجربتنا واصلاحها قبل ان تتعقد الحلول.
ففي خضم الجدل السياسي المحتدم حول مشروع تأسيس حول لماذا لم يستجب المشروع للتطلعات ، يبرز خلط واسع بين ثلاثة مستويات مختلفة:
ميثاق تأسيس
تحالف تأسيس
و حكومة تأسيس
هذا الخلط لا يربك النقاش العام فحسب، بل يحجب جوهر الأزمة الحقيقية التي يعاني منها المشروع في مرحلته الراهنة، وغي اعتقادي هي أزمة الشرعية وآليات التمثيل.
ميثاق تأسيس هو مسودة الدستور للسودان الذي نحلم به والوثيقة السياسية التي وقّع عليها أكثر من 130 جسماً سياسياً وتنظيمياً وشخصيات عامة. وهو من حيث المبدأ عقد سياسي مفتوح، لا يحتكره تنظيم بعينه ولم يغلق باب التوقيع عليه، بل يفترض أن يكون إطاراً جامعاً لكل من يؤمن ب *مشروع التغيير* وإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة.
أما تحالف تأسيس، فهو المنظومة السياسية التي نشأت عن هذا الميثاق، وهي تعلن أنها مفتوحة للأفراد والجماعات، وليست حزباً مغلقاً ولا نادياً للنخبة.
غير أن الإشكال الجوهري لم يبدأ عند صياغة الميثاق ولا عند فكرة التحالف – اذ هي مفتوحة للتطوير والتعديل ، بل عند الانتقال إلى مستوى *القيادة والتنظيم التنفيذي* . فقد طرح كثير من السودانيين سؤالاً مشروعاً: كيف تم اختيار ثلاثين تنظيماً وشخصية فقط لتمثيل مشروع وقّعت عليه أكثر من 140 جهة متزايدين ؟ وبأي آلية تم هذا الاختيار؟
من الواضح أن الديمقراطية لم تكن الأداة المستخدمة، ولم يكن الانتخاب آلية حاضرة في هذا القرار. لقد بدا الأمر أقرب إلى توافق محدود داخل دائرة ضيقة، لا إلى تفويض واسع من القاعدة السياسية والاجتماعية التي وقّعت على الميثاق
ثم جاءت حكومة تأسيس لتعمّق هذا الخلل البنيوي: فهي أيضاً لم تُنتخب ديمقراطياً من قبل جميع الأجسام المتحالفة، ولم تمر عبر عملية تصويت شفافة تشمل ممثلي القواعد السياسية والشعبية للموقعين على الميثاق.
وبذلك يمكن القول إن المجموعة التي تصدّرت القيادة السياسية قد اختطفت التمثيل الرمزي للمشروع، كما يمكن القول إن حكومة تأسيس الأولى جاءت نتيجة لهذا الاختطاف السياسي، لا نتيجة تفويض ديمقراطي صريح.
ويزداد هذا النقد وجاهة عندما نعود إلى ميثاق تحالف تأسيس نفسه، الذي وضع منذ ديباجته أسساً واضحة للشرعية السياسية تقوم على الإرادة الشعبية والمشاركة الواسعة، لا على التوافقات الضيقة.
فقد نص الميثاق على أن الشعوب السودانية هي المالكة للسيادة الوطنية، وأن الهدف هو تأسيس دولة مدنية ديمقراطية قائمة على الحرية والعدالة والمساواة، وعلى المواطنة المتساوية بوصفها أساس الحقوق والواجبات دون أي تمييز.
كما أكد الميثاق على بناء مؤسسات الدولة على أسس الشفافية والمساءلة والتمثيل العادل.
غير أن ما جرى في الواقع عند تشكيل قيادة التحالف وحكومة تأسيس لم يعكس هذه المبادئ، إذ لم تُمارس السيادة الشعبية عبر آلية انتخاب أو تفويض واسع من الأجسام الموقعة، وإنما جرى اختيار محدود داخل دائرة ضيقة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: فالميثاق يحمل رؤية ديمقراطية واضحة، بينما الممارسة السياسية ذهبت في اتجاه مغاير، أعاد إنتاج نمط النخبة المحدودة الذي عرفه السودان منذ الاستقلال – نمط دولة ٥٦.
ويؤكد الميثاق أيضاً على ضرورة إنشاء مؤسسات جامعة تمثل الإرادة الجماعية للقوى الموقعة، وعلى منع احتكار القرار السياسي داخل نخبة مغلقة. لكن الواقع العملي كشف عن غياب برلمان تأسيسي منتخب، وعن حكومة تشكّلت دون تصويت شامل من الأجسام المتحالفة. وهذا ما يجعل اتهامات الإقصاء وعزل القيادة عن القواعد ليست ادعاءات سياسية أو خصومات شخصية، بل نتيجة منطقية لخلل بنيوي في آليات التأسيس.
كما أوضحتُ في عدد من مقالاتي ومقابلاتي السابقة حول الخلل التأسيسي في الوعي السياسي السوداني، فإن أحد أسباب فشل التجارب الانتقالية المتكررة هو إعادة إنتاج النخبة نفسها بأدوات جديدة، دون تغيير جوهري في طريقة صناعة القرار أو إشراك المجتمع في السلطة.
وهذا ما نراه اليوم يتكرر في تجربة تأسيس، وإن اختلفت الشعارات وتبدلت الأسماء.
تاريخ السودان السياسي يقدم لنا نماذج مألوفة لحل مثل هذه الأزمات: إما انقلاب عسكري أو ثورة شعبية.
لكن السؤال المركزي اليوم هو: هل هذه الخيارات ما زالت صالحة في عهد تأسيس؟
إن أي محاولة عسكرية جديدة للتغيير لن تقود إلا إلى فوضى وسعة، وإلى إهدار دماء غالية ، وضيع جهود يجب ان تدخر للقضاء علي العدو الحقيقي، وإلى مزيد من التفتت في جبهة القوي الحقيقية المؤمنة بالتغيير .
كما أن ثورة شعبية في ظل هذا الواقع الهشّ قد تنزلق بسهولة إلى صراع داخلي أو انهيار كامل للمشروع السياسي برمته.
من هنا، فإن الحل في هذه المرحلة لا يكمن في القفز إلى الأمام بالعنف، بل في الرجوع خطوة إلى الخلف لإصلاح الخلل من جذوره. أي العودة إلى أصل الميثاق نفسه، وإعادة بناء القيادة على أساس ديمقراطي واضح.
ويتم ذلك عبر انتخابات داخلية حقيقية، تُرشَّح فيها القيادات بشكل علني، وتُنتخب عبر آليات شفافة يشارك فيها جميع الأجسام الموقعة على ميثاق تأسيس، لا مجموعة محدودة منها.
ويلي ذلك انتخاب حكومة جديدة تنبثق عن هذه القيادة المنتخبة، لا عن توافقات مغلقة.
كما ينبغي إعلان برلمان تشريعي لتأسيس، يمثل كل القوى الموقعة على الميثاق، ويُضاف إليه مهنيون وخبراء مستقلون في مجالات الاقتصاد والقانون والإدارة والسياسات العامة. فهذا البرلمان سيكون الضامن لعدم احتكار القرار، ولتحويل مشروع تأسيس من فكرة نخبوية إلى عملية سياسية مؤسسية قابلة للاستمرار.
إن الأزمة الحالية ليست أزمة مشروع تاسيس ، بل أزمة تنزيل ميثاق تاسيس على الواقع. فالميثاق في نصوصه يتحدث عن السيادة الشعبية، والمشاركة، والتمثيل العادل، بينما الواقع يعكس قيادة غير منتخبة وحكومة غير مفوَّضة متهمة بالتبعية ورهينة لمجموعة محدودة الخيال.
إن الدعوة إلى إعادة الانتخابات الداخلية، وبناء مؤسسات تشريعية جامعة، ليست خروجاً على مشروع تأسيس ، بل هي دفاع عنه في صورته الصحيحة.
إن مشروع تأسيس لا يمكن أن ينجح إذا بقي رهيناً لقيادة غير منتخبة، ولا يمكن أن يتحول إلى قاعدة وطنية جامعة إذا شعر موقّعوه بأنهم مهمَّشون في صناعة القرار او شعر بقية السودانيين بالزيف.
المستقبل لا يُبنى عبر الإقصاء، ولا عبر تكرار أخطاء دولة ما بعد 1956، بل عبر تأسيس نموذج جديد في الممارسة السياسية يقوم على الشفافية، والمساءلة، والتمثيل الحقيقي.
الخيار اليوم ليس بين الفوضى والاستبداد وشعار المجد للبندفية ولا صوت يعلو علي صوت البندقية او كما ذكر احد المجرمين من قبل : المجد للبندقية ، بل الإصلاح يبدأ بالتزام بالنهج الديمقراطي المنظم ، أو انهيار سياسي جديد.
وإذا أراد مشروع تأسيس أن يكون بداية عهد مختلف – عهد ما بعد دولة ٥٦، فعليه أن يتمثل بصدق القاعدة الصحيحة التالية عملياً :
شرعية من القاعدة إلى القمة، لا من القمة إلى القاعدة.




