
التنوير بورتسودان
في مشهد أقرب للكوميديا السوداء، خرج وزير العدل في سلطة بورتسودان، عبد الله درف، ليوبّخ المحكمة الجنائية الدولية على “بطء الإجراءات”، محمّلًا إياها مسؤولية تصاعد الانتهاكات بحق المدنيين. تصريحٌ بدا جريئًا، لولا حقيقة صغيرة سقطت سهوًا: أن أخطر المطلوبين للجنائية يقيمون تحت حماية السلطة ذاتها التي يطالب وزيرها بالعدالة من الخارج.
السؤال الذي لم يتفضل الوزير بالإجابة عليه، وربما نسيه وسط حماسه القانوني: أين ذهبت أوامر توقيف عمر البشير وأحمد هارون وبقية المطلوبين؟ هل علقت في البريد؟ أم أن العدالة الدولية مطلوبة فقط حين تتعلق بالخصوم، وتصبح “شأنًا سياديًا” حين تقترب من الحلفاء؟
وزير العدل بدا وكأنه يطالب العالم بالجري، بينما سلطته اختارت الجلوس منذ سنوات. فبدل تسليم المطلوبين، جرى توفير الحماية لهم، وبدل التعاون مع العدالة الدولية، جرى استخدام الجنائية كورقة ضغط إعلامية تُشهر عند الحاجة، ثم تُعاد إلى الجيب فورًا.
المفارقة تزداد طرافة حين نقارن حديث درف عن “محاكمات قانونية خالصة” بتصريحات وزير الداخلية في السلطة نفسها لقناة BBC، حيث بدا أن كل وزير يعمل وفق دستور مختلف، وخارطة طريق مختلفة، وربما دولة مختلفة أيضًا. سلطة واحدة… بلسانين، وقانونين، وحقيقتين متناقضتين.
فبينما تُقدَّم محاكمات لبعض المعارضين باعتبارهم “أفرادًا لا سياسيين”، يُمنح المطلوبون للعدالة الدولية وضعًا خاصًا أقرب إلى “التحف الوطنية غير القابلة للتسليم”. عدالة انتقائية، تقيس الجرائم بهوية مرتكبيها لا بخطورتها.
هذا التخبط لا يعكس فقط أزمة خطاب، بل أزمة شرعية. سلطة تتحدث عن القانون حين يناسبها، وتهاجمه حين يقترب منها، لا يمكن أن تقنع أحدًا لا الداخل، ولا الخارجبأنها حارسة العدالة.
العدالة، على ما يبدو في بورتسودان، تُمارَس انتقائيًا: تتحرك ضد الخصوم، وتُطفأ حمايةً للأصدقاء. أما المحكمة الجنائية الدولية، فمطالبة دائمًا بالسرعة… شرط ألا تصل إلى العناوين الخاطئة.




