رأي

العودة القسرية إختبار السقوط الاخلاقي 

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة 

حين يفرّ المدني من جحيم الحرب، لا يطلب امتيازًا ولا إحسانًا، بل حقًا بديهيًا في النجاة. ولهذا نشأت منظومة حماية اللاجئين في العالم الحديث: لتكون سدًا أخلاقيًا وقانونيًا يمنع تحويل الحدود إلى فخاخ، ويحول دون إعادة البشر إلى مواطن الهلاك. غير أن ما يواجهه اللاجئون السودانيون اليوم يكشف تصدع هذا السد، ويعرّي هشاشة الالتزام حين تصطدم القيم بحسابات السياسة.

إن ما يتعرض له السودانيون الفارّون من النزاع—من توقيفات تعسفية، وتضييق منهجي، وإجراءات إبعاد قسري—لا يمكن فهمه بوصفه خللًا إداريًا عابرًا أو ممارسة تنظيمية مشروعة. فإعادة الإنسان، صراحة أو مواربة، إلى بلدٍ ما يزال مسرحًا للنزاع المسلح، وانهيار الخدمات، وغياب الضمانات، هو قرار يُنطوي على مخاطرة واعية بحياته وكرامته. عند هذه النقطة، تفقد السيادة معناها الأخلاقي، وتسقط الذرائع الأمنية مهما تنوّعت مسمياتها.

القانون الدولي حاسم في هذا الشأن. مبدأ عدم الإعادة القسرية ليس توصية مرنة، بل قاعدة آمرة تحظر ردّ أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه للاضطهاد أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية. القفز فوق هذا المبدأ لا يعني فقط انتهاك حقوق اللاجئين، بل تقويض الثقة في منظومة الحماية الدولية برمتها، وتحويل الاتفاقيات إلى نصوص بلا أثر فعلي.

الأخطر من الانتهاك ذاته هو السياق السياسي الذي يُغذّيه. فالترويج لفكرة “العودة” بوصفها حلًا، بينما الحرب مستمرة ومقومات الأمان غائبة، ليس إلا إعادة إنتاج للأزمة بوسائل أخرى. لا استقرار يُبنى على إجبار المدنيين على مواجهة الخطر، ولا سلام يُستحضر عبر دفع الضحايا إلى خطوط النار. تلك ليست حلولًا، بل مقامرة بأرواح البشر في لعبة نفوذ قصيرة النظر.

الدول التي تسعى إلى دورٍ إقليمي معتبر، وتطلب احترام المجتمع الدولي، تُقاس أفعالها بمدى صونها للكرامة الإنسانية في أوقات الاختبار. حماية اللاجئين ليست عبئًا أمنيًا، بل امتحانًا صريحًا لجدية الالتزام بالقانون الدولي. أما استخدام الضعفاء كورقة ضغط، فيفضح ضمور الرؤية، ويخلّف جراحًا عميقة في وجدان الشعوب.

إن الصمت ليس حيادًا. كل تردد في توفير الحماية هو تسريع للخطر، وكل موقف رمادي هو مشاركة غير مباشرة في تقويض الحق. وحده الالتزام الصارم بكرامة الإنسان دون انتقائية يعيد للحدود معناها، وللقانون هيبته، وللجوار ضميره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!