
مها طبيق
تحول وجود السودانيين في مصر إلى اختبار حقيقي في قدرة النظام الدولي على احترام قواعد القانون الدولي الإنساني وقانون اللاجئين ، واختبار موازٍ للدولة المصرية في إدارة موجات النزوح في الإقليم ، في ظل حرب مفتوحة وانهيار شامل لمقومات الأمن الإنساني داخل السودان . ما طرحته د. أماني الطويل يضع النقاش في مساره الصحيح حيث الخطر يكمن في سوء إدارة الملف دوليًا ، ومحاولات تحميل الدولة المضيفة أعباء تفوق ولايتها القانونية ، مع فتح المجال أمام توظيف أمني وسياسي يضر بمصالح جميع الأطراف .
وفق القانون الدولي ، يُقاس الأمان بتوافر الحد الأدنى من الأمن الإنساني ، بما يشمل حماية الحق في الحياة، واستمرارية الخدمات الأساسية
والاستقرار الاقتصادي، والاجتماعي ، هذا المعيار غير متحقق في السودان ، لا سيما في الخرطوم ، بشهادات ميدانية موثوقة ووقائع وفيات حتى بين فئات حاولت العودة لمباشرة أعمالها . وعليه ، فإن أي إجراءات تؤدي عمليًا إلى دفع السودانيين للعودة تندرج ضمن الإعادة القسرية غير المباشرة ، المحظورة صراحة بموجب اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكول 1967 ، من قواعد القانون الدولي العرفي .
مصر، بوصفها دولة مضيفة ، ملتزمة قانونًا بجانب الالتزام الأخلاقيً باحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمان التناسب والضرورة في أي إجراء أمني ، والتمييز بين المخالفات الفردية والسياسات الجماعية . الضبط القانوني حق سيادي مشروع ، لكن التضييق المنهجي أو غير المبرر يخرج عن هذا الإطار ، ويحمّل مصر كلفة سياسية وإنسانية لا تخدم صورتها ولا مصالحها الاستراتيجية ، وهو ما حذّرت منه د. أماني الطويل بوضوح .
الأخطر أن أي استجابة غير محسوبة لضغوط خارجية إن وُجدت ستُسجَّل دوليًا على الدولة المضيفة ، لا على الطرف الذي طلب هذه الإجراءات مهما كانت الخلفيات السياسية .
تتحمل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين مسؤولية مباشرة عمّا يجري ، بسبب الإخفاق في توفير حماية فعّالة، لان ترك أعداد كبيرة من السودانيين في فراغ قانوني
واختزال دورها في التسجيل والإجراءات الإدارية دون تدخل وقائي أو قانوني ، هذا القصور جعل اللاجئ أو طالب اللجوء مكشوفًا أمنيًا ، وحمّل الدولة المصرية عبئًا يفترض أن يكون دوليًا ، وهو إخلال صريح بولاية المفوضية . أما الحديث عن “العودة الطوعية” ، فهو قانونيًا فاقد لشروطه في ظل غياب الأمن والخدمات وضمانات الحياة ، ويُستخدم سياسيًا لتخفيف الضغط لا لحل الأزمة .
تعاملت كثير من المنظمات الدولية مع الأزمة السودانية باعتبارها ملف مساعدات غذائية وتدخلات نفسية محدودة حيث تجاهلت جوهر القضية في توفير الحماية القانونية والسياسية . هذا الصمت—أو الحياد الزائف—حوّل بعض هذه المنظمات إلى فاعل سلبي ، وأسهم في تشويه صورة الدولة المضيفة ، خاصة أن في إطالة أمد الأزمة ترك اللاجئين بين مطرقة الإجراءات الأمنية وسندان الفراغ القانوني .
ما يجري الآن من إجراءات لا يخدم مصلحة مصر ولا السودان . فالتضييق لا يُنهي الأزمة، وإنما ينقلها من الداخل السوداني إلى المجال المصري، ثم إلى المنصات الدولية كملف انتهاكات ويفتح الباب أمام أطراف معادية وميليشيات ودول لتوظيف الملف سياسيًا ضد الشعبين .
المطلوب الآن هو إعادة توصيف الملف بوصفه قضية حماية دولية لا مسألة أمنية
وتحميل المفوضية والمنظمات الدولية المسؤولية كاملة في ،إدارة هذا الملف مع مراعاة الإجراءات التي تحمي السيادة المصرية دون خرق القانون الدولي ودعم مسارات تحسين الأمن الإنساني داخل السودان ، لأن الحل الحقيقي يبدأ من هناك .
قضية السودانيين في مصر هي انعكاسًا لفشل دولي في إدارة منظومة الحماية . وأي محاولة لمعالجة هذا الفشل عبر الضغط على اللاجئين أو الدولة المضيفة ستنتهي بخسائر سياسية وإنسانية مضاعفة .وما دعت إليه د. أماني الطويل ليس دفاعًا عن الفوضى ولكن دعوة لاحترام القانون الدولي ، وحماية صورة مصر ، ومنع تحويل الضحية إلى متهم .
مها الهادي طبيق
30 يناير 2026




