اخبار

الحرب من خلف الستار: قاعدة مصرية سرية تدير حرب المسيّرات في السودان

التنوير .. نيويورك تايمز

 

التنوير .. نيويورك تايمز

لم تعد الحرب في السودان مجرّد صراع داخلي بين أطراف متنازعة على السلطة، بل تحوّلت بشكل متسارع إلى ساحة مواجهة إقليمية تُدار من خلف الحدود، وبأدوات عسكرية متطورة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة. تحقيق صحفي دولي حديث كشف، بالأدلة المادية، عن وجود قاعدة جوية مصرية سرية تُستخدم لإطلاق طائرات مسيّرة تنفذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السودانية، في تطور خطير يعيد تعريف طبيعة النزاع وحدود السيادة.

التحقيق، الذي استند إلى صور أقمار صناعية عالية الدقة، وسجلات طيران، ومقاطع فيديو، إضافة إلى إفادات مسؤولين أمريكيين وأوروبيين وعرب، يقدّم صورة واضحة لتورط عسكري مباشر يتم بعيدًا عن الأضواء، بينما يدفع المدنيون السودانيون ثمن حرب تتعقد يومًا بعد يوم.

مشروع زراعي أم منشأة عسكرية؟ تمويه ذكي لقاعدة في قلب الصحراء

تقع القاعدة، وفقًا للمصادر، داخل مشروع زراعي ضخم في الصحراء الغربية المصرية، حيث تحيط بالمدرجات الجوية مساحات شاسعة من الحقول الدائرية المزروعة بالقمح. هذا الغطاء المدني لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل جزءًا من خطة تمويه دقيقة لإخفاء نشاط عسكري حساس عن أنظار المراقبين.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية مدرجًا طويلاً، وحظائر طائرات، وبنى تحتية متطورة للاتصالات، ما يؤكد أن الموقع ليس مؤقتًا، بل قاعدة عمليات متكاملة جرى إعدادها بعناية لخوض حرب طويلة الأمد.

من الوساطة إلى غرفة العمليات: التحول في الدور المصري

لطالما قدّمت القاهرة نفسها كطرف يسعى إلى الاستقرار في السودان، وداعم للحلول السياسية، إلا أن هذه المعطيات الجديدة تكشف انتقالًا حاسمًا من الدور الدبلوماسي إلى التدخل العسكري المباشر.

فبحسب التقرير، فإن الطائرات المسيّرة المنطلقة من القاعدة المصرية نفذت، منذ ما لا يقل عن ستة أشهر، ضربات داخل العمق السوداني، استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع في مناطق متفرقة، ما يعني أن مصر لم تعد مجرّد داعم غير مباشر، بل باتت طرفًا فاعلًا في مسرح العمليات.

ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس حسابات أمنية واستراتيجية تتعلق بحدود مصر الجنوبية، وتوازنات القوة في الإقليم، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية حول شرعية هذا التدخل، وتأثيره المباشر على مسار الحرب.

مسيّرات بعيدة المدى… تكنولوجيا الحرب تعبر الحدود

ويشير التحقيق إلى استخدام طائرات مسيّرة متقدمة قادرة على التحليق لمسافات طويلة، وتنفيذ ضربات دقيقة عبر أنظمة تحكم مرتبطة بالأقمار الصناعية. هذه الطائرات، التي تُدار من خارج السودان، مكّنت من تنفيذ عمليات عسكرية دون الحاجة إلى وجود قوات على الأرض، في نموذج جديد من “الحرب عن بُعد”.

وقد وثّقت مصادر عدة ضربات استهدفت تجمعات عسكرية وخطوط إمداد ومواقع استراتيجية، ما أدى إلى تغيير تكتيكي في مسار بعض المعارك، لكنه لم يُسهم في تحقيق حسم عسكري حقيقي.

تصعيد بلا حل: حين تطيل التكنولوجيا أمد الحرب

يحذر محللون من أن إدخال هذا النوع من التكنولوجيا في نزاع أهلي معقّد لا يؤدي إلى إنهائه، بل يساهم في إطالة أمده وتعقيد فرص التسوية. فكل ضربة دقيقة تُنفذ من الجو تُقابل بتصعيد مضاد على الأرض، بينما تتسع دائرة الدمار وتزداد معاناة المدنيين.

وفي بلد يعاني أصلًا من مجاعة وانهيار شبه كامل للخدمات، فإن أي تصعيد جديد يعني مزيدًا من النزوح والضحايا، دون أفق واضح لنهاية الحرب.

السودان كساحة تجارب: خطر تحويل النزاع إلى حرب إقليمية مفتوحة

الأخطر في هذا التطور، بحسب مراقبين، هو أن السودان بات يُعامل كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية واختبار أدوات الحرب الحديثة، بعيدًا عن إرادة شعبه أو مصالحه. فإدارة النزاع من قواعد خارج حدوده تمثل انتهاكًا عمليًا لسيادته، وتُنذر بانزلاق الصراع إلى مستوى أوسع قد يصعب احتواؤه.

وفي ظل غياب مسار سياسي جاد، واستمرار الرهان على الحسم العسكري المدعوم إقليميًا، يبدو أن الحرب السودانية تدخل مرحلة أكثر ظلمة، حيث تُدار من غرف عمليات بعيدة، بينما يبقى المدني السوداني وحده في مواجهة الموت والجوع والتشريد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!