رأي

إبقاء السودان على جهاز التنفس الصناعي المالي: كيف تخفي “شبكة قرناص” جرائمها وراء لافتة “التنمية”؟ (الحلقة التاسعة)

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

لم يكن الفساد في السودان مجرد فعلٍ محليّ متواضع الأدوات؛ كان ـ منذ سنوات الإنقاذ الأولى ـ جزءًا من سلسلة توريد عابرة للحدود، تتغذّى على الانهيار المؤسسي وتتنقل بين العواصم مثل سمسارٍ دوليّ بلا جنسية. واللافت أن هذا الفساد كان دائمًا أكبر من شعارات الإسلاميين، وأكبر من وطنٍ أُنهك بين الخيانة وسوء الإدارة، حتى صار شعار «التمكين» غطاءً لتمرير أكبر عملية تسليم وتسلم بين الداخل والخارج دون أن يشعر المواطن إلا بثقل الخراب.

الإخوان ـ كما خبرتهم المنطقة كلها ـ لم يكونوا حركة سياسية قدر ما كانوا مقاولي نفوذ، يبيعون الولاءات مثلما يبيعون الفتاوى، ويقايضون الدين بالمال والامتيازات، ثم يصرخون من أعلى المنابر «هي لله هي لله… لا للدنيا ولا للجاه». لكن الحقيقة أنهم كانوا ـ وما يزالون ـ أكبر كارثة أخلاقية وسياسية مرت على شعوب المنطقة: بلا شرف وطني، بلا ولاء، بلا عقل… مجرد شهية مفتوحة للمال والنساء والامتيازات. وحين تسقط الأخلاق، يسقط معها كل شيء: المبدأ، الوطن، والقيمة الإنسانية.

لكن الكارثة الأعمق ليست فيهم وحدهم، بل في هذا التحالف غير المعلن بين بقايا شبكات الإنقاذ في الخارج وبعض البعثات الأممية عبر التمويلات، الذي أعاد إنتاج الفوضى نفسها تحت يافطة “التنمية المستدامة”.

من أكبر المفارقات أن أوسع الاستثمارات السودانية في أفريقيا خلال عهد الإنقاذ قامت في دول لديها حضور اقتصادي إسرائيلي لافت، بينما كانت هذه الدول نفسها تحتضن أعلى نسب عمل السودانيين في المنظمات الأممية. وبدا المشهد كأنه لغز: كيف اجتمع نقيضان — الإنقاذ، واللوبيات الأممية، والمصالح الإسرائيلية — في مساحة واحدة؟

الإجابة بسيطة ومخيفة في آن: لأن الجميع كان يتحرك بمنطق واحد. في النهاية، نهب الدول مشروع لا يعترف بالأيديولوجيا، ولا العرق، ولا حتى فكرة الانتماء، إلا بقدر ما يخدم جيبًا أو يحمي شبكة. كانت المصالح هي الأب الروحي للجميع: الإسلاميون، موظفو البعثات الأممية، الوسطاء الماليون، مستشارو البنوك الإقليمية… وكلّهم نسجوا شبكة واحدة، حتى لو لم يجلسوا على طاولة واحدة.

كانت الشراكات مع الفاو، البنك الدولي، IFAD، IFPRI، وCAPMAS تُقدّم للسودان باعتبارها دعمًا تقنيًا ومساندة مؤسسية، لكن الشبكات التي تغلغلت داخل مفاصل الدولة سرعان ما أدركت أنها تمثل غطاءً ممتازًا. فالوجود الدولي يعطي حصانة سياسية تحول دون المساءلة، كما يسمح بتمرير العقود الفرعية والاستشارات والخدمات اللوجستية للدوائر ذاتها كل مرة، دون أن تجرؤ الأجهزة المحلية على طرح الأسئلة. وليس المهم هنا الشخص أو الاسم—فالأفراد يتغيرون—لكن المنظومة هي التي تبقى: المنظومة التي قرأت ضعف التنسيق، وثغرات المساءلة، وغياب الشفافية، فحوّلت «العمل التنموي» إلى اقتصاد موازٍ يدار بذكاء بارد وبدقة شديدة.

وتحت عناوين براقة مثل «الأمن الغذائي»، «مقاومة الفقر»، «تعزيز الصمود»، كانت ملايين الدولارات تمرّ عبر بنوك وسيطة وشركات استشارية لا وجود لها في السودان أصلًا. وما لم يذهب إلى “الخبراء”، ذهب إلى شبكات تعمل من داخل المنظمات نفسها.

لكن الحلقة الأخطر في هذه الهندسة كانت عبر مجموعة TDB، البنك الذي تمدد بسرعة في مناطق الصراع ووجد في السودان “فرصة نموذجية” لاختبار أدواته. ففي مشروع ASCENT – Sudan البالغ 76 مليون دولار، تم تعيين TDB ليس كمجرد بنك ممول، بل كجهة منفذة، أي كجسم يعمل “فوق الدولة”، له حق التعاقد، والشراء، وتحديد أولويات الصرف، بل وفرض شروطه المالية دون المرور بالمؤسسات الوطنية.

تستخدم مشاريع TDB آلية التمويل القائم على النتائج — RBF — وهي آلية تبدو جذابة لأنها “تدفع مقابل الإنجاز”، لكنها عمليًا تسمح بإدارة التمويل من الخارج، وإعادة توجيهه نحو عقود استشارية وبنكية موازية، دون أن يصل الداخل إلا إلى القليل.

كل قرض كان يُسوَّق للسودان باعتباره «جسر نجاة»، لكن رسوم الترتيبات والضمانات والمراجعات الخارجية كانت تبتلع نصف قيمته قبل أن يدخل جنيه واحد السوق المحلي. وهكذا أصبح السودان في دائرة مغلقة:

قروض تُسدَّد بقروض… نظام مالي لا ينتج ما يغطي فوائدها… وشبكات تستفيد من إبقاء البلد على جهاز التنفس الصناعي المالي لا يحفظ الحياة بل يطيل معاناة الشعب، ما يسمى تجوزًا الـ agonizing survival.

حتى الإيفاد، الذي أعلن منحة بـ47 مليون دولار لدعم المزارعين، ربطها بشرط «سداد المتأخرات» — وهو شرط يدرك الجميع استحالته في الظروف الراهنة. ولم يكن ذلك «إجراءً ماليًا» بريئًا، بل تكتيكًا معتادًا:

إبقاء السودان معلقًا بين الحاجة الملحة والديون المتراكمة، حتى تظل البرامج تحت إدارة خارجية، وتظل الشبكات التي تعمل عبرها بمنأى عن المساءلة.

وبحسب ما تكشفه الوثائق، فإن أكبر عمليات الفساد في «المنظمات الأممية الغذائية» مرتبطة مباشرة بملفات الديون، وبالقدرة على تدويرها دون أن تمر عبر حكومات مستقلة أو شفافة.

وليس من المستغرب توهج شهية المانحين بعد الانقلاب وفور اندلاع الحرب. فغياب الشفافية وارتهان الإرادة الوطنية خلق مناخًا خصبًا لممارسة الانحرافات المالية تحت غطاء «التمويل الطارئ». هذا السياق يفسر حرص الإسلاميين على إعادة أميرة قرناص إلى منصبها بعد إقالتها سابقًا من قبل لجنة إزالة التمكين، لضمان استمرار شبكة النفوذ التي خدمت مصالحهم.

ختامًا، ورغم هذا كله… ستعود البلاد بعزيمة رجال لا يبيعون إرثهم، وبأجيال جديدة لم تعد مستعدة للعيش تحت وصاية شبكات تتحكم بدولتها باسم “الدعم الفني” أو “الحوكمة”. وستنهض هذه البلاد حين تخرج من قبضة التمويل المشروط، ومن شبكات التنمية التي لا ترى فيها إلا سوقًا مفتوحة للعقود والقروض، وحين تستعيد حقها الطبيعي في إدارة مواردها، بعيدًا عن مؤسسات صممت أصلًا لكي تُبقيها تحت السقف ذاته لعقود طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!