رأي

سلسلة كشف المستور(23) ملف خاص. نقص ال (IQ) أم فائض الغطرسة؟ تشريح “الغباء الاستراتيجي” لنخبة الدولة القديمة

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

 مجدي محمد مصطفى ماكن 

في أوائل التسعينيات، كانت أجهزة الأمن في الخرطوم و المدن السودانية الأخرى تخوض “أم المعارك” ضد عدو خطير جداً، هو طبق الدش (الساتلايت)، و جهاز الرسيفر.!

أذكر جيداً، وكثيرون يذكرون، كيف كانت دوريات الأمن تداهم أسطح المنازل الفقيرة والمتوسطة لمصادرة “الرسيفر” وطبق الاستقبال، وكأنها تضبط أسلحة نووية. كانت التهمة هي “الغزو الثقافي”، وكان الهدف الحقيقي هو “إغلاق المنافذ”، ليبقى الشعب رهينة لما يبثه تلفزيون و إذاعة أم درمان من أكاذيب.

المفارقة المضحكة المبكية، أنك لو رفعت رأسك قليلاً نحو أسطح منازل قادة النظام، وأقاربهم، والنافذين في “المنشية” و”كافوري”، لوجدت غابة من الأطباق الفضائية: طبق لعرب سات، وآخر لهوت بيرد، وثالث للأقمار المشفرة!.

كان “الحلال” لهم “حراماً” علينا.

لكن تلك الحادثة لم تكن مجرد نفاق ديني أو اجتماعي؛ بل كانت العرض الأول لمرض عضال أصاب هذه النخبة وسيؤدي لاحقاً إلى فنائها: مرض الانفصال عن الواقع. حاربوا “الدش” إلى أن هزمهم شر هزيمة دون أن يتعلموا الدرس.!!!

اليوم، ونحن نشهد انهيار دولتهم، يقفز السؤال الملح: هل هؤلاء القوم أغبياء؟ هل يعانون من نقص في معدلات الذكاء (Low IQ)؟ أم أن هناك توصيفاً أدق؟

الحقيقة أن مشكلتهم ليست في “نقص الذكاء”، بل في “فائض الغطرسة”. هذه الغطرسة هي التي أنتجت أغبى نخبة مرت في تاريخ السودان، نخبة عجزت عن قراءة “اللحظة التاريخية” فدمرت نفسها والبلاد.

يمكن تلخيص هذا “الغباء الاستراتيجي” في ثلاث خطايا قاتلة:

1. متلازمة “فرانكشتاين”: البندقية تُعلّم السياسة

ظلت نخبة المركز (دولة 56) لعقود طويلة تنظر لمجتمعات الهامش والبادية نظرة وظيفية استعلائية. في عرفهم، هؤلاء البشر ليسوا مواطنين، بل “خزان بشري” للقتال، ومصدر رخيص لـ “العنف”، وأرضهم مصدر رخيص للموارد.

كان الافتراض الساذج يقول: “يمكننا استخدام هؤلاء البدو لضرب حركات التمرد و القضاء عليها، ثم نعيدهم إلى الصحراء ببعض السكر والشاي ورتب عسكرية “صورية” بلا صلاحيات، بينما نحتفظ نحن بالسلطة والثروة في الصالونات المكيفة”.

هذا الغباء الاستراتيجي تجاهل حقيقة بسيطة: البندقية هي أسرع وسيلة لتعليم السياسة.

لم يدركوا أن من يحمل السلاح للدفاع عن عرشك، سيسأل يوماً: “لماذا أموت أنا لتعيش أنت؟ ولماذا أحرس القصر ولا أسكنه؟”. لقد صنعوا “الوحش” (بمفهومهم) ليأكل أعداءهم، لكنهم نسوا أن الوحش سيكتسب وعياً بذاته، وسيطالب بمقعده على رأس الطاولة. وحين حدث ذلك، أصيبوا بالذهول و الذعر، فظهر تناقضهم و نفاقهم بصورة ليس لها مثيل في التاريخ، لأن غطرستهم منعتهم من تخيل أن “الأداة” يمكن أن تصبح “فاعلاً”.

2. معركة خاسرة ضد “ثورة الوعي”

عقلية “مصادرة الدش” في التسعينيات هي نفسها التي تدير الحرب اليوم. لا يزالون يظنون أن بإمكانهم احتكار الحقيقة.

نسوا أن الزمن تغير. راعي الإبل في أقصى بوادي دارفور اليوم يمتلك هاتفاً ذكياً، ويتصل بالإنترنت عبر (Starlink). إنه يرى كيف يعيش العالم، يرى قصور النافذين، ويقارنها بـ “القطاطي” و الخيم التي يعيش فيها أهله و جيرانه. كما رأي حطام قصور الخرطوم.

لم يعد بالإمكان خداع المجتمعات بشعارات “الوطن” و”الدين” الجوفاء. المعلومات أصبحت متاحة، و”المظلومية” التاريخية أصبحت “مرئية” وموثقة بالصوت والصورة.

غباء النخبة جعلها تراهن على “تجهيل” الناس في عصر الذكاء الاصطناعي وثورة المعلومات. راهنوا على استدامة الكذب، في زمن أصبح فيه الصدق عارياً ومتاحاً للجميع بضغطة زر.

3. الديناصورات في عصر الذكاء الاصطناعي

بينما العالم يتحدث اليوم عن “اقتصاد المعرفة”، و”سلاسل التوريد الرقمية”، والطاقة النظيفة، لا تزال نخبة الخرطوم تدير الدولة بعقلية القرن التاسع عشر: “فرق تسد”، وشراء الولاءات القبلية، والاعتماد على الجباية البدائية.

لقد عجزوا عن إدراك أن العالم لم يعد يحتمل “الدول الفاشلة”. المجتمع الدولي يبحث عن شركاء أذكياء قادرين على ضبط الهجرة، ومحاربة الإرهاب، وتأمين الموارد، ولا يريد جنرالات “عجائز” وسياسيين “مترهلين” يعيشون في الماضي.

هذا “العمى الزمني” جعلهم خارج سياق التاريخ.

هم يقاتلون الآن ليس للانتصار، بل محاولة يائسة لإيقاف عقارب الساعة، وهو أمر مستحيل.

الخلاصة: نهاية الوهم

إن ما نشهده الآن ليس مجرد حرب، بل هو مراسم دفن لطبقة سياسية واجتماعية كاملة.

هؤلاء لم يسقطوا لأنهم ضعفاء، بل سقطوا بسبب “فائض الغطرسة”. تلك الغطرسة التي صورت لهم أن امتيازاتهم “حق إلهي” دائم، وأن الآخرين خُلقوا لخدمتهم إلى الأبد.

لقد عجزوا عن التقاط “لحظة التغيير”، وتوهموا أن بإمكانهم إدارة صراعات القرن الواحد والعشرين بأدوات “نظارة المعارف” المسمى التاريخي القديم لـ وزارة التربية والتعليم، و بمصادرة “أطباق الساتلايت”.

عجزهم عن إدراك “لحظة التغيير” هو ما جعل سقوطهم مدوياً وشاملاً، ولن يجدوا من يبكي عليهم كما بكى التاريخ على نخب أخرى كانت أكثر ذكاءً منهم لكنها سقطت أيضاً.

​نحن لا نحارب “جيشاً”، بل نحارب “عقلية منقرضة”. والمستقبل دائماً يهزم الماضي، مهما كان الماضي متوحشاً.

وكما يعلمنا التاريخ: الأنظمة التي لا تتطور، تنقرض.

ونخبة 56 اختارت الانقراض بدلاً من التطور، لكن المؤسف أنها قررت أن تأخذ السودان كله معها إلى الهاوية قبل أن ترحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!