الغبن السياسي وأثره في نهضة الشعوب السودان نموذجا وماهي احتياطات تحالف تأسيس في السودان لمجابهة تحديات المرحلة
سهيبة مريش

سهيبه مريش
يعد الغبن السياسي ظاهرة معقدة ومتعددة الأوجه، تتجلى في الممارسات التي تهدف إلى تحقيق مكاسب فئوية أو حزبية على حساب المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية. هذا المفهوم، الذي يلامس جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، يمثل عائقًا رئيسيًا أمام تحقيق التنمية المستدامة والنهضة الحقيقية للشعوب. فعندما تسود ثقافة الغبن، حيث تُستغل السلطة لتكريس التهميش وتوزيع الموارد بشكل غير عادل، فإن ذلك يؤدي حتمًا إلى تقويض الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، مما يخلق بيئة خصبة للاستياء والاضطرابات. إن دراسة أثر هذا الغبن، مع التركيز على حالة السودان كنموذج حي، تكشف عن الآليات التي تعيق بناء الدولة الوطنية الحديثة.
السودان، بتاريخه الغني وتنوعه الهائل، يمثل حالة دراسية بامتياز لفهم تداعيات الغبن السياسي الممنهج. منذ الاستقلال، عانى السودان من سلسلة من الانقسامات الحادة التي غذتها سياسات اعتمدت على إقصاء مكونات أساسية من العملية السياسية والاقتصادية. هذا الإقصاء لم يكن مجرد خلاف سياسي عابر، بل كان تجسيدًا لـ "غبن" بنيوي، حيث تم تركيز السلطة والثروة في أيدي نخبة محدودة، بينما ظلت أطراف البلاد الأخرى تعاني من الحرمان والتهميش. هذا التوزيع غير المتكافئ للفرص والموارد أدى إلى تأجيج الصراعات الإقليمية والمحلية، التي تحولت فيما بعد إلى حروب أهلية مدمرة. إن النظر إلى مسار التنمية في السودان يوضح كيف أن غياب العدالة التوزيعية، الناتج عن قرارات سياسية متحيزة، أفقد البلاد عقودًا من الزمن كان يمكن استغلالها في البناء والتقدم.
إن أثر الغبن السياسي يتجاوز مجرد المظالم الاقتصادية؛ فهو يمتد ليطال الوعي الجمعي والهوية الوطنية. عندما يشعر جزء كبير من الشعب بأن قرارات الدولة لا تمثله، وأن مصيره يُقرر بعيدًا عن إرادته، تتآكل الشرعية المؤسسية. في السياق السوداني، أدى هذا الشعور إلى انشقاق الهوية وتنامي النزعات الانفصالية، وصولًا إلى انفصال الجنوب في عام 2011. حتى بعد الثورة المجيدة التي أطاحت بالنظام السابق، استمرت تحديات الغبن في الظهور بأشكال جديدة، تتمثل في الصراعات على تقاسم السلطة والثروة بين القوى المدنية والعسكرية، مما يعكس استمرار العقلية التي تعطي الأولوية للمصالح الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا.
لمواجهة هذه التحديات العميقة، تتطلب المرحلة الراهنة في السودان استراتيجيات وطنية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية. هنا يبرز دور التكتلات السياسية الجديدة والمبادرات الوطنية، ومن ضمنها تحالف تأسيس، في وضع رؤية استباقية لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة. إن نجاح أي تحالف يسعى لبناء دولة مدنية ديمقراطية في ظل بيئة مليئة بالاستقطاب والمخاطر الأمنية، يعتمد على مدى تبنيه لاحتياطات عملية ومبادئ واضحة.
أولى الاحتياطات الأساسية التي يجب أن يتبناها تحالف تأسيس هي الالتزام الصارم بالشفافية والحوكمة الرشيدة. لمكافحة الغبن، يجب أن تكون آليات اتخاذ القرار مكشوفة للعامة، مع وضع ضوابط صارمة على الإنفاق العام وإدارة الموارد الطبيعية. هذا يتطلب إصلاحًا جذريًا للقطاع العام وإخضاعه للمساءلة الدورية، بدلاً من أن يكون أداة لخدمة المصالح الخاصة.
ثانيًا، يجب التركيز على بناء عقد اجتماعي جديد وشامل. هذا يتطلب إدراكًا عميقًا للتنوع السوداني والعمل على تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية كأولوية قصوى. يجب أن تتضمن أجندة التحالف خطة واضحة لمعالجة المظالم التاريخية عبر آليات عادلة، تضمن تمثيلًا متكافئًا لجميع الأقاليم والفئات في هياكل السلطة والثروة. إن هذا المسار يتطلب إقرارًا دستوريًا يضمن اللامركزية الإدارية والاقتصادية لمنع تركيز السلطة في المركز مجددًا.
ثالثًا، تكمن أهمية الاحتياط في بناء مؤسسات عسكرية وأمنية وطنية مهنية محايدة، تكون خاضعة لسلطة مدنية منتخبة. إن استمرار تسييس المؤسسات الأمنية هو أحد الأسباب الرئيسية التي تضمن استمرار حلقات الغبن والعودة إلى العسكرة. لذا، فإن تحالف تأسيس يحتاج إلى وضع خارطة طريق واضحة لدمج القوات والإصلاح الشامل لهذه المؤسسات لضمان ولاءها للدولة والمصلحة العامة فقط.
رابعًا، لا يمكن تحقيق النهضة دون إعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية عادلة. يجب أن يركز التحالف على تحرير الاقتصاد من القبضة الاحتكارية، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوجيه الاستثمار نحو المناطق المهمشة تاريخيًا. هذا يتطلب سياسات مالية ونقدية شفافة تعالج التضخم وتستعيد ثقة المواطنين في العملة الوطنية.
في الختام، يظل الغبن السياسي هو الداء العضال الذي يعيق تحرر الشعوب ونهضتها، والسودان يقدم مثالاً صارخًا على كيف يمكن لتراكمات هذا الغبن أن تعرقل مسيرة الدولة لعقود. إن الطريق إلى النهضة يتطلب إرادة سياسية حقيقية لكسر حلقات الاستئثار بالسلطة وتكريس مبادئ العدالة والمساواة. إن احتياطات تحالف تأسيس، التي ترتكز على الشفافية، المصالحة الشاملة، بناء مؤسسات الدولة المهنية، وإعادة هيكلة الاقتصاد نحو الإنصاف، تمثل خارطة طريق ضرورية لمواجهة تحديات المرحلة الحرجة التي يمر بها السودان، شرط أن يتم تطبيقها بصدق والتزام مطلق بالمصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أخرى.




