رأي

بين شعارات الهامش ومغريات السلطة

محمد تاج الدين الحلو

 

محمد تاج الدين الحلو 

عندما حملت حركات الكفاح المسلح السلاح في إقليم دارفور عام 2003، لم يكن ذلك فعلاً معزولاً عن سياقه، ولا نزوة سياسية عابرة، بل كان نتاج واقع ثقيل من التهميش والإقصاء الممنهج الذي لازم إنسان الهامش لعقود طويلة. ظل هذا الإنسان وقوداً للحروب والصراعات، بينما كانت مكاسب السلطة السياسية والتنفيذية تذهب إلى فئة بعينها، تحتكر الدولة ومؤسساتها، وتعيد إنتاج امتيازاتها جيلاً بعد جيل.

تحت ضغط السلاح والسياسة معاً، اضطرت السلطة آنذاك إلى تقديم بعض التنازلات. ففُتحت أبواب وزارات سيادية كانت تُعرف في التداول السياسي بـ«وزارات الخمسة نجوم» — الخارجية والداخلية والمالية والطاقة — وهي وزارات ظلت لسنوات طويلة مجالاً مغلقاً تتداوله نخب محددة من داخل تنظيم الحركة الإسلامية. ومع استمرار الضغط، وصل الأمر إلى منح أبناء دارفور موقع نائب رئيس الجمهورية، وهو موقع ظل بدوره حكراً على مجموعات الامتياز داخل الدولة.

غير أن الطريق لم يكن مستقيماً. فقد دخلت مجموعة مني أركو مناوي في اتفاق أبوجا، وهو اتفاق وُصف يومها بالهش وذي الطابع التنسيقي أكثر من كونه اتفاقاً يعالج جذور الأزمة. ولم ينعكس ذلك الاتفاق على حياة إنسان دارفور بخدمات حقيقية على الأرض. ويعزو كثيرون ذلك إلى ضعف الخبرة السياسية والتفاوضية في تلك المرحلة، حيث جاءت كثير من البنود رمادية، قابلة للتأويل أكثر من كونها واضحة وحاسمة.

في المقابل، ظل الراحل خليل إبراهيم يقاتل سياسياً وعسكرياً حتى وصلت قواته إلى تخوم أم درمان. كان خليل يمتلك مشروعاً سياسياً واضح المعالم، ولم يكن أسير الوظائف الحكومية أو بريق المناصب كما فعل آخرون. ورغم ما تعرضت له حركته من انقسامات ومؤامرات، ظل ثابتاً على مواقفه حتى لقي حتفه في غارة جوية للجيش السوداني. يومها احتفلت الدولة بموته، لكن كثيرين رأوا في رحيله نهاية مرحلة من مراحل الصلابة الثورية.

ثم جاء اتفاق جوبا للسلام، لتدخل حركة العدل والمساواة إلى السلطة. فُرض جبريل إبراهيم وزيراً للمالية رغم التحفظات، بإصرار واضح من محمد حمدان دقلو، كما فُرض مناوي حاكماً لإقليم دارفور. وقد لزم كثيرون الصمت آنذاك احتراماً لنائب رئيس مجلس السيادة، ورغبة في إعطاء السلام فرصة للاستقرار.

غير أن ملف الترتيبات الأمنية ظل حبيس الأدراج لدى عبد الفتاح البرهان حتى اندلاع الحرب. ومع اشتعالها، وجد كثيرون أنفسهم أمام مفارقة قاسية: قادة حملوا شعارات الهامش لعقود، فإذا بهم ينحازون إلى ذات السلطة التي كانوا يقاتلونها بالأمس.

لقد بدا في نظر قطاع واسع من السودانيين  أن بعض القيادات اختارت طريق المكاسب والمناصب، حتى وإن جاء ذلك على حساب الشعارات الثورية والتضحيات الكبيرة التي قُدمت، وعلى رأسها تضحيات خليل إبراهيم ورفاقه. وهنا بدأ السؤال المؤلم يطرح نفسه: هل كان مشروع الهامش مشروع قضية، أم مجرد طريق إلى السلطة؟

ومع مرور الوقت، تصاعدت الشكاوى من سوء إدارة السلطة، ومن مظاهر الترف والتمكين والفساد المالي والإداري، بينما ظل المواطن السوداني يرزح تحت وطأة الحرب وانهيار الخدمات وتفاقم الأزمات، خصوصاً في دارفور التي كانت أصلاً عنواناً للمظلومية.

لكن التاريخ لا يتوقف عند خيبة واحدة. ففي عتمة هذا الإحباط، خرجت أصوات جديدة تقول إنها ما زالت متمسكة بجذوة الثورة الأولى. أصوات تجدد العهد مع الشهداء، وترفض أن تتحول قضية الهامش إلى مجرد منصب أو وزارة.

وفي مدينة نيالا، جاء فطور بسيط نظمته الحركة بقيادة سليمان صندل، وسط القواعد البسيطة، ليحمل رسالة رمزية مفادها أن الثورة مهما تعثرت ما تزال حية في ضمير من يؤمنون بها.

وبين فطور السلطة المترف، وفطور القواعد المتواضع، يقف السودانيون أمام سؤال أكبر من الأشخاص والمناصب: أي طريق يقود فعلاً إلى السودان الذي حلم به الشهداء؟

تحية لكل من ظل متمسكاً بقضية العدالة والحرية، ومنهم عبدالعزيز الحلو و عبد الواحد محمد نور والهادي إدريس والطاهر حجر وسليمان صندل وأبو القاسم إمام، وحافظ عبدالنبي ولكل من ما زال يؤمن بأن الطريق إلى السودان الجديد لا يُعبد بالمناصب، بل بالثبات على المبادئ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!