
إيمان التجاني
الأوطان التي تُرهقها الحروب لا تموت، بل تنتظر لحظة النهوض
تمضي مدينة الفاشر اليوم بثبات وهدوء نحو التعافي، في مشهد يناقض تماماً الصورة القاتمة التي حاولت الحرب فرضها على هذه المدينة العريقة. فرغم الدمار الكبير الذي خلّفته سنوات العنف، ورغم الجراح المفتوحة في الذاكرة والجدران، تبدو الفاشر وكأنها اختارت الحياة، وقررت أن تستعيد ذاتها بإرادة أهلها لا بوعود الآخرين.
أحد أبرز ملامح هذا التعافي يتمثل في انتظام العملية التعليمية وعودة المدارس إلى العمل، في خطوة تحمل دلالات عميقة تتجاوز مسألة التعليم ذاته. فعودة التلاميذ إلى الفصول، وعودة المعلمين إلى أداء رسالتهم، تعني أن المجتمع يراهن على المستقبل، ويرفض أن تسرق الحرب حق أجياله القادمة. التعليم في الفاشر اليوم ليس مجرد خدمة أساسية، بل إعلان واضح بأن الخراب لن يكون قدراً دائماً.
وفي موازاة ذلك، تشهد المدينة عودة ملحوظة للمواطنين إلى منازلهم وأحيائهم التي هجروها قسراً. هذه العودة، رغم ما يحيط بها من صعوبات، تعكس شعوراً متنامياً بالأمان النسبي، ورغبة حقيقية في إعادة بناء الحياة من نقطة الصفر. فالمنازل التي صمتت طويلاً بدأت تستعيد أصوات سكانها، ومعها تعود الروح تدريجياً إلى المدينة.
كما تُبذل جهود كبيرة لتوفير الخدمات الضرورية، من مياه وكهرباء ورعاية صحية، في ظل ظروف بالغة التعقيد. ورغم محدودية الإمكانات، إلا أن هذه الجهود تمثل شريان حياة حقيقياً للسكان، خصوصاً مع استمرار انسياب الإغاثة والعون الإنساني، الذي أسهم في التخفيف من المعاناة وساند الفئات الأكثر تضرراً.
ومن المؤشرات المهمة على تعافي الفاشر فتح الأسواق وعودة النشاط التجاري، حيث بدأت البضائع تتدفق من القرى والأرياف المجاورة، وعادت حركة البيع والشراء إلى الشوارع، في دليل واضح على استعادة الثقة والحركة الاقتصادية. فالسوق لا ينتعش إلا حين يشعر الناس بأن الغد ممكن.
ولعل انتظام النشاط الرياضي وعودة الحياة إلى الملاعب يمثلان خاتمة رمزية لكل هذا المشهد؛ فالرياضة ليست ترفاً في سياق ما بعد الحرب، بل علامة صحة اجتماعية ورسالة سلام تؤكد أن المجتمع بدأ يتعافى نفسياً كما يتعافى عمرانياً.
كل هذه الوقائع تشير بوضوح إلى أن الحياة بدأت تدب في أوصال الفاشر، المدينة التي عبثت بها أيادي حركات الارتزاق الآثمة ومليشيات الجيش المختطف من قبل جماعة الإخوان المسلمين، لكنها رغم ذلك اختارت أن تنهض، وأن تقول بصوت هادئ وواثق: الفاشر باقية، وماضية نحو التعافي.




