رأي

هل تقترب حرب السودان من نهايتها في ضوء المعطيات الداخلية والدولية وجهود الرباعية؟

سهيبه مريش، ، نيالا

 

سهيبه مريش

يشهد السودان منذ منتصف أبريل 2023 نزاعاً مسلحاً مدمراً بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهو صراع أعاد تشكيل المشهد السياسي والأمني والاقتصادي للبلاد بشكل جذري. إن التقييم الموضوعي لإمكانية القول بأن هذه الحرب تقترب من نهايتها يتطلب تحليلاً دقيقاً للتفاعلات المعقدة بين العوامل الداخلية، والضغوط والتدخلات الدولية، وفعالية الجهود الدبلوماسية، لا سيما تلك التي تقودها الآلية الرباعية. حتى اللحظة الراهنة، يبدو أن المسار نحو سلام مستدام لا يزال محفوفاً بالتحديات الجسيمة، وأن التفاؤل بانتهاء وشيك للصراع يجب أن يُقابل بحذر شديد.

على الصعيد الداخلي، يمثل استمرار القتال وتعمق الانقسامات العسكرية والسياسية العقبة الأكبر أمام أي نهاية سريعة للحرب. لقد أثبت الطرفان المتحاربان قدرة غير متوقعة على الصمود العسكري، حيث فشلت العمليات العسكرية الكبرى في تحقيق حسم عسكري نهائي لأي منهما. كل طرف يمتلك شبكة دعم لوجستي وقدرة على إعادة التموضع تجعل فكرة الاستسلام أو الانهيار الكامل أمراً مستبعداً في المدى القريب. بالإضافة إلى ذلك، أدت الحرب إلى تفتيت الساحة السياسية السودانية إلى كتل متناحرة، حيث لم تتمكن القوى المدنية المتبقية من بلورة موقف موحد أو تشكيل جبهة ضغط فعالة على الأطراف العسكرية. إن غياب إطار سياسي بديل موثوق به وقادر على ملء الفراغ الذي قد يخلفه وقف إطلاق النار يمثل عاملاً مثبطاً أمام أي تسوية سريعة. الحرب، في جوهرها، أصبحت صراعاً على تقاسم السلطة والثروة يمتد ليشمل السيطرة على مناطق استراتيجية وموارد اقتصادية حيوية، مما يضفي عليها طابع الاستمرارية حتى تحقيق مكاسب واضحة لأحد الأطراف.

أما على المستوى الدولي، فإن الجهود المبذولة لحل الأزمة، والتي تتركز بشكل كبير حول الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والنرويج والاتحاد الأوروبي، قد حققت نجاحات محدودة جداً في وقف دائم لإطلاق النار. تهدف هذه الآلية إلى الضغط المنسق على الطرفين للامتثال للالتزامات الإنسانية وفتح مسارات للتفاوض. ورغم أن الرباعية نجحت في إدانة الانتهاكات وحشد الدعم لإيصال المساعدات، إلا أن فعاليتها في إجبار الأطراف على التنازلات الاستراتيجية تظل محدودة. يعود هذا القصور جزئياً إلى تباين المصالح الإقليمية والدولية المحيطة بالسودان. ففي حين تسعى الدول الغربية للحد من التدهور الإنساني ومنع تحول السودان إلى دولة فاشلة، فإن دولاً أخرى في المنطقة تتبنى مواقف متباينة، بعضها يقدم دعماً غير مباشر لجيش أو يستفيد من حالة عدم الاستقرار. هذا التشرذم في المواقف الإقليمية يضعف من قدرة الضغط الموحد الذي تمارسه الآلية الرباعية.

إن نجاح أي وساطة يتطلب وجود أرضية مشتركة للتفاوض، وهي الأرضية التي غابت حتى الآن. المحاولات السابقة، مثل الاتفاقيات التي تمت برعاية السعودية والولايات المتحدة في جدة، انهارت سريعاً لأنها ركزت غالباً على التهدئة العسكرية المؤقتة بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للصراع، المتعلقة بمسار الإصلاح الأمني والدمج العسكري والهيكلة السياسية للدولة. إن أي سلام مستدام يتطلب اتفاقاً شاملاً حول مستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية، وهو الملف الأكثر حساسية والأصعب حلاً في ظل استمرار الاقتتال.

علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال البعد الإنساني الكارثي الذي يزيد من تعقيد أي عملية سلام. النزوح الداخلي واللجوء الإقليمي لمستويات غير مسبوقة، والتدهور الاقتصادي السريع، وانهيار الخدمات الأساسية، تخلق بيئة طاردة للحلول السلمية التي تتطلب تضحيات من الأطراف المتحاربة. فمع استمرار تدفق المساعدات الإنسانية، ولو بتحديات كبيرة، يتم توفير بعض الأساسيات التي تسمح باستمرار القتال على نطاق واسع دون أن يصل أحد الطرفين إلى نقطة الانهيار التي قد تجبره على الجلوس للتفاوض بحسن نية.

في ضوء هذه المعطيات، فإن القول بأن حرب السودان في نهايتها يبقى أمراً سابقاً لأوانه ومجانباً للواقع. السيناريوهات الأكثر ترجيحاً لا تشير إلى نهاية سريعة وحاسمة، بل تميل إلى أحد مسارين: إما استمرار الصراع المحدود والمستنزف على وتيرة أقل حدة (حرب أهلية منخفضة الحدة)، أو الوصول إلى نوع من التجميد الفعلي للنزاع على خطوط تماس ثابتة دون اتفاق سياسي شامل، مما يترك الباب مفتوحاً للانفجار مجدداً. جهود الرباعية ضرورية لإدارة الأزمة الإنسانية وتوفير مسارات دبلوماسية مفتوحة، لكنها لا تمتلك الأدوات الكافية لفرض سلام دائم دون تضافر حقيقي للإرادة الداخلية للطرفين أو ضغط دولي وإقليمي موحد ومكثف يتجاوز المصالح الآنية للدول المحيطة. السلام الحقيقي في السودان مرهون بكسر المعادلة العسكرية الحالية عبر اتفاق سياسي برعاية دولية وإقليمية قادرة على ضمان تفكيك آلة الحرب والبدء في عملية بناء دولة جديدة تقوم على التوافق المدني، وهو ما لم يتحقق بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!