
عبدالناصر آدم حمزة
السودان، هذا البلد الشاسع المساحة، الغني بتنوعه الجغرافي والثقافي والاجتماعي، هو بوتقة حقيقية للشعوب المتنوعة التي تجتمع على أرض واحدة، وتربطها قيم وموروثات مشتركة تشكل عنواناً لهويته ورمزيته. ومن المفترض أن يكون هذا التنوع مصدر قوة للتعايش السلمي، ونموذجاً للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ورافداً للنهضة والإزدهار.
لكن، للأسف، وقع هذا التنوع ضحية للسياسات الاستغلالية التي اتبعتها بعض الأنظمة الحاكمة. إذ استغلت السلطة هذا الاختلاف لزرع بذور الكراهية والانقسام بين الشعوب، وصنّفت المجتمع إلى طبقات: طبقة نفوذ وسلطة، وطبقة كادحة تبحث عن أبسط حقوقها في بلد غني بالموارد والثروات الطبيعية. نتيجة لذلك، عانى غالبية الشعب السوداني من الإقصاء والتهميش، والحرمان من أبسط الحقوق والواجبات.
الظلم الأكبر، كما يرى كثيرون، كان يأتي أحياناً من السودانيين أنفسهم. فمن يصفون غيرهم بالجهل والتخلف، ويشجعون السلطات على ممارسة البطش والتنكيل بإخوانهم، يكرسون هذه الظاهرة بشكل مباشر. ومن يتجاهل معاناة أبناء وطنه في معسكرات النزوح واللجوء، ولا يتحرك لتحريك مشاعر المواساة تجاههم، يكون مشاركاً في هذا الظلم.
الظلم يتجسد كذلك حين يلتزم البعض بالتبعية العمياء، ويشجع على قتل أو التشكيك في مواطنة الآخرين، أو يسقط في الإساءة للطعن في الأنساب لمجرد الاختلاف في الرأي. وحتى المزايدة على الوطنية لتبرير التفريق والتمييز ليست إلا صورة أخرى من صور الظلم. فغياب روح الإحساس بالآخر في وطن واحد، وفي شعب واحد وجغرافيا واحدة، هو شكل من أشكال الظلم الذي يقتل التماسك الاجتماعي ويهدد السلم الأهلي.
السودان لم يكن يوماً جميلاً إلا بهذا التنوع الثقافي والاجتماعي والجغرافي، فقبول الآخر واحترامه ونبذ خطاب الكراهية والتفرقة هو السبيل لتعزيز قوة البلاد ورفعتها وكرامتها. إن الاتحاد والتكاتف بين أبناء الوطن يشكل حصناً يحميهم من الظلم، ويؤكد أن كل السودانيين متساوون في الإنسانية، وكلهم من آدم، وآدم من تراب. كما جاء في الحديث القدسي: «إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا بينكم فلا تظالموا». فلتكن هذه القيمة العليا دليلاً للجميع، حتى لا يظلم أحدنا أخاه.




