رأي

من “الشرعية الثورية” إلى “الشرعية المؤسسية” (5) – الختام ​نحو تأسيس الحكم الراشد في السودان الجديد ​الحكم الراشد هو “صوت الناس”.. آليات المشاركة والمساءلة لمنع “الديكتاتورية البديلة”

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن

​مقدمة:

لقد ناقشنا في هذه السلسلة المال، والإدارة، والقانون. ولكن، تبقى الحلقة الأهم في سلسلة الحكم الراشد: الإنسان.

إن “السودان الجديد” الذي دفعنا مهره دماء غزيرة، ليس مجرد تغيير في العلم أو النشيد أو شاغلي القصر الجمهوري. إنه تغيير جذري في العلاقة بين “الحاكم” و”المحكوم”

في دولة 56، كان المواطن مجرد “رعية” (Subject) يتلقى الأوامر، ويدفع الجبايات، ويموت في الحروب التي يقررها المركز، دون أن يكون له حق السؤال: “لماذا؟”.

اليوم، ونحن نؤسس واقعاً جديداً في المناطق المحررة، يجب أن نرسخ مبدأً مقدساً: السلطة تفويض وليست ملكية. والمسؤول -مهما علت رتبته النضالية- هو “خادم” عند الشعب، وليس سيداً عليه.

إذا لم نشرك الناس في القرار، وإذا لم نعطهم حقهم في بمساءلتنا، فنحن نعبد الطريق لـ “ديكتاتورية بديلة” قد تكون أسوأ من سابقتها.

​أولاً: المشاركة في القرار.. “أهل مكة أدرى بشعابها”

أكبر خطأ ترتكبه السلطات المركزية “حتى الثورية منها” هو الاعتقاد بأنها تعرف مصلحة الناس أكثر منهم.

قد يقرر “الوزير” في مكتبه بناء “نصب تذكاري” للشهداء، بينما قرية الشهداء بائسة تحتاج لـ “بئر ماء” مثلا. هذا الانفصال هو بداية الفشل.

آليات العمل المقترحة:

​المجالس المحلية التوافقية: في ظل غياب الانتخابات (بسبب الحرب)، يجب تشكيل مجالس محلية في كل وحدة إدارية، تضم (الشباب، النساء، الإدارات الأهلية المستنيرة، التجار، ولجان المقاومة).

​موازنة المواطن Participatory Budgeting

قبل إقرار ميزانية أي محلية، يجب طرحها على هذا المجلس. دعوا الناس يقررون أولوياتهم: هل نصرف المال على التعليم أم الصحة أم الطرق؟ عندما يشارك المواطن في القرار، فإنه يحمي تنفيذه.

​ثانياً: المساءلة المجتمعية.. “من أين لك هذا؟”

الشفافية ليست مجرد أرقام في دفاتر المحاسبين، بل هي حق المواطن في المعرفة.

يجب أن نكسر حاجز الخوف الذي زرعه الكيزان. المسؤول العام (الوزير، الحاكم، مدير الشرطة) يجب أن يكون تحت الضوء.

آليات العمل:

​اللقاءات الجماهيرية Town Hall Meetings إلزام المسؤولين بعقد لقاءات دورية مفتوحة مع المواطنين، ليس لإلقاء الخطب الرنانة، بل للإجابة على الأسئلة الصعبة: “أين ذهبت إيرادات السوق؟”، “لماذا تدهور الأمن؟”.

​حق الحصول على المعلومة: يجب أن يكون من حق أي مواطن أو صحفي الاطلاع على القرارات الإدارية والعقود الحكومية (ما لم تكن أسراراً عسكرية حقيقية).

السرية هي غطاء الفساد

​ثالثاً: الإعلام وحرية التعبير.. “جرس الإنذار المبكر”

لماذا سقط نظام البشير؟ لأنه كسر “مرايا الحقيقة”. أحاط نفسه بالمطبلين، وأسكت النقد، فظن أن “كل شيء تمام” حتى سقط السقف على رأسه.

لا تكرروا الخطأ.

“الناقد” ليس عدواً، و”المعارض السلمي” ليس طابوراً خامساً.

هؤلاء هم “أجهزة الإنذار المبكر” التي تخبركم بوجود حريق قبل أن يلتهم البيت.

الحل المؤسسي:

حماية حرية التعبير في المناطق المحررة بقوة القانون. يجب أن يشعر المواطن أن بإمكانه انتقاد “التحالف” أو “الحكومة المدنية” دون أن تزوره “عربة تاتشر” في الليل. القوة الحقيقية هي التي تتسع للرأي الآخر، أما القمع فهو سلاح الضعفاء والخائفين.

​رابعاً: المجتمع المدني.. شريك لا تابع

النقابات، لجان المقاومة، الاتحادات النسوية، والجمعيات الخيرية.. هذه هي “رئة” المجتمع.

حاولت الدولة القديمة تدجينها أو تكسيرها. نحن يجب أن نمكنها.

المجتمع المدني القوي هو الذي يملأ الفراغ الذي تعجز عنه الدولة، وهو الذي يراقب الأداء، وهو الذي يبني السلم الاجتماعي. التعامل معهم كـ “شركاء” لا كـ “خصوم” هو قمة الحكمة السياسية.

​ختاماً: الامتحان الحقيقي

إلى قادة التأسيس..

لقد انتصرنا في معركة “التحرير” بفضل شجاعة و صبر الأشاوس.

الآن، أنتم أمام معركة “التغيير”.

والتغيير الحقيقي ليس في تبديل “الكاكي” بـ “المدني”، بل في تبديل “عقلية التسلط” بـ “عقلية الخدمة”.

إذا نجحنا في بناء نموذج حكم في مناطقنا يشعر فيه المواطن بكرامته، وبأنه شريك في وطنه، وبأن القانون يحميه والمسؤول يخدمه.. حينها فقط، وفقط حينها، سيزحف كل السودان طواعية ليرفع راية “السودان الجديد”.

الشرعية الثورية تنتهي بانتهاء الطلقة، أما الشرعية المؤسسية فهي التي تبني الأوطان وتخلد الذكرى.

التحية لأشاوسنا الابطال في كل المحاور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!