رأي

الجيش السوداني تحت المجهر: تحقيقات دولية تكشف استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين

عبد الرحمن ابورندة ،،، بنسلفانيا 

 

عبد الرحمن ابورندة ،،، بنسلفانيا 

على وقع النزاع المستمر في السودان منذ أبريل 2023، ظهرت ادعاءات قوية وموثوقة من جهات دولية وإعلامية حول استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيماوية والمواد المحرمة دوليًا، بما في ذلك الغازات السامة والفسفور الأبيض، في مواجهة المدنيين والفصائل المسلحة المتنازعة على السلطة. وقد شكلت هذه المزاعم محورًا رئيسيًا في تحقيق طويل أجرته قناة سكاي نيوز عربية استمر أكثر من 20 دقيقة، جمع بين شهادات حية من ضحايا، لقطات ميدانية، وتحقيقات مستقلة في مواقع حوادث يشتبه فيها استخدام مواد كيماوية، لتصبح نقطة محورية في الجدل السياسي والإنساني حول النزاع السوداني.

يستند التقرير إلى مقاطع فيديو وأدلة مصورة لشهود عيان، تضمنت حالات اختناق حادة وسعال شديد بين السكان المدنيين، خصوصًا الأطفال وكبار السن، مع أعراض لم يسبق ملاحظتها في النزاعات المسلحة التقليدية، ما دفع خبراء الصحة والحقوقيين إلى اعتبار هذه الحالات مؤشرات أولية على استخدام مواد كيماوية. وقد رصد التحقيق كذلك حوادث انفجار وحرائق تزامنت مع ظهور أعراض تنفسية غريبة على المدنيين، وهو ما عزز فرضية أن الجيش قد استخدم أسلحة محرمة دوليًا في مناطق النزاع، بما يشكل انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية والإنسانية.

أحد الشهود، من إحدى القرى المتأثرة، وصف ما حدث قائلاً: “لم تكن رائحة النار وحدها… كان هناك شيء آخر في الهواء، صعب التنفس، يجعل الأطفال يصرخون… لم أره في حياتي من قبل.” شهادات كهذه، رغم أنها لا تُعد دليلًا قضائيًا محكمًا، إلا أنها تضيف وزنًا إنسانيًا كبيرًا للمطالبة بالتحقيق الدولي، وتسلط الضوء على آثار النزاع على المدنيين الأبرياء، الذين يتحملون العبء الأكبر لهذه الجرائم المزعومة.

ويأتي هذا التحقيق في ظل إنكار رسمي متكرر من قيادة الجيش السوداني، حيث أكد قائد الجيش مرارًا أن ما يتم تداوله هو حملة تشويه تهدف إلى وصم القوات المسلحة وتبرئة خصومها السياسيين. وتكررت التصريحات الرسمية التي تصف المزاعم بأنها “غير مبنية على أدلة موثوقة” وتهدف إلى إعادة صياغة سردية الصراع لصالح قوى المعارضة. ومع ذلك، فإن هذا الإنكار، في مواجهة شهادات وتحقيقات ميدانية قوية، يعمّق شعور عدم الثقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية، ويؤكد حالة الانقسام السياسي والاجتماعي العميقة في السودان.

يشير التقرير إلى استخدام مواد خطيرة، منها الفسفور الأبيض، غازات شديدة السمية، وأحيانًا مركبات يشبه تأثيرها الأسلحة الكيماوية المحظورة دوليًا، في ضربات جوية ومواجهات مباشرة مع المدنيين والمناطق المأهولة. هذا النوع من الأسلحة يُصنف ضمن أخطر الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني، ويخضع للتحقيق من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، التي سبق أن دعت إلى فتح تحقيق مستقل وعاجل لتحديد صحة هذه المزاعم ومدى استخدامها بشكل ممنهج.

كما سلط التقرير الضوء على الآثار الإنسانية المدمرة لهذه العمليات المزعومة، حيث شهدت القرى المتأثرة ارتفاعًا غير مسبوق في حالات الاختناق، مع تدهور الخدمات الصحية وانعدام المستلزمات الطبية، مما يعكس تقصيرًا متعمدًا أو غير متعمد في حماية المدنيين. وأكد الأطباء العاملون مع منظمات غير حكومية أن الأعراض المسجلة تتجاوز ما هو متوقع في النزاعات المسلحة التقليدية، وهو ما عزز فرضية أن هناك تدخلًا مباشرًا لمواد كيميائية في الميدان، وأن المدنيين ليسوا مجرد ضحايا عرضيين، بل مستهدفون بطريقة ممنهجة.

الجانب القانوني الدولي يشدد على أن أي استخدام للأسلحة الكيماوية أو المواد المحرمة دوليًا يعد جريمة حرب، ويخضع المسؤولون عنها للمساءلة الدولية، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو آليات قانونية أخرى، كما تنص اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية على التحقيق الفوري والمستقل في مثل هذه الحالات. وقد طالبت منظمات حقوقية دولية، اعتمادًا على التحقيقات الأولية لشهادات ضحايا ومشاهد حقيقية، بفتح تحقيق عاجل يضم جمع عينات وتحليلها علميًا للتأكد من وجود هذه المواد المحظورة، وتحديد المسؤولية عن استخدامها.

الإنكار الرسمي المستمر، في مواجهة هذه الأدلة، يطرح تساؤلات حول الأهلية الأخلاقية والسياسية للسلطة العسكرية في السودان، خصوصًا أنها تستمر في ممارسة القتل ضد المدنيين بينما تتنكر للأدلة الميدانية التي يوثقها صحفيون دوليون. هذا السلوك، كما يشير محللون حقوقيون وسياسيون، يعكس أزمة شرعية متكاملة تجعل من الجيش جهة فاقدة للثقة ليس فقط على المستوى القانوني، بل حتى من منظور أخلاقي وإنساني، وهو ما يفاقم معاناة السكان المدنيين ويعقد فرص الحل السلمي.

على الرغم من الجدل السياسي، يبقى الجانب الإنساني محور الاهتمام الأبرز، حيث المجتمع الدولي يراقب عن كثب هذه الانتهاكات المحتملة، وهناك دعوات قوية لتدخل عاجل يضمن حماية المدنيين ويوقف أي استخدام محتمل للأسلحة المحرمة دوليًا، ويضع المسؤولين أمام محاسبة دولية عادلة. والتحقيقات الإعلامية، بما فيها تحقيق سكاي نيوز عربية، تُظهر أن هناك مؤشرات دامغة تستحق التحقق القانوني الفوري، وتؤكد أن هذا الملف ليس مجرد اتهامات جانبية، بل قضية أمن دولي وإنساني تتطلب تحركًا عاجلًا.

يبقى السؤال الأكبر: هل ستتمكن الهيئات الدولية من إجراء تحقيق مستقل وموضوعي يكشف الحقيقة، ويحاسب المسؤولين عن أي انتهاكات؟ وهل ستواجه السلطة السودانية هذه المطالب، أم ستستمر في إنكارها والتقليل من شأن الأدلة الميدانية؟ حتى تتضح الصورة كاملة، يبقى المدنيون هم الأكثر معاناة، والملف مفتوح أمام المجتمع الدولي والمساءلة القانونية، في انتظار إثبات الحقيقة وضمان حماية السكان من استمرار استخدام أسلحة محظورة دوليًا.

في النهاية، تشير التحقيقات وشهادات سكاي نيوز عربية إلى أن الجيش السوداني قد تورط في استخدام أسلحة كيماوية ومحظورة دوليًا ضد المدنيين، ما يضع السلطة تحت ضغط دولي وقانوني متزايد، ويطرح تساؤلات حقيقية حول مدى التزامها بالقوانين الدولية الإنسانية وأخلاقيات الحرب. ومع استمرار توثيق هذه الانتهاكات، يظل العالم أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لضمان عدم الإفلات من العقاب وحماية المدنيين من أي هجمات مستقبلية مماثلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!