
هويدا سناده
يُعد فهم دور النخب المركزية مدخلًا أساسيًا لتحليل أزمات الدولة السودانية منذ نشأتها. ويُقصد بهذه النخب تلك الدائرة الضيقة التي تتركز في العاصمة أو مراكز اتخاذ القرار، وتسيطر على الموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية. ولا تستمد هذه النخب نفوذها من المناصب الرسمية فحسب، بل من قدرتها على الوصول، وشبكاتها التنظيمية، واحتكارها لمفاتيح الدولة، في مقابل ضعف التنظيم والتمثيل لدى القواعد الشعبية.
وعلى عكس التصورات الشائعة، فإن صراع السلطة لا يجري غالبًا بين “النخبة والشعب”، بل داخل النخبة نفسها. فالتنافس الحقيقي ينشب بين أجنحة متصارعة على موارد محدودة: النفوذ، المال، الشرعية، والدعم الدولي. ومع تقلص الموارد أو ترجيح كفة طرف خارجي لجناح دون آخر، تتحول لحظات الانتقال السياسي إلى ساحات صراع حاد، قد يأخذ شكل حرب باردة أو مواجهة مفتوحة.
في الأنظمة المركزية، نادرًا ما يكون هذا الصراع علنيًا منذ بدايته. إذ تتعدد آلياته لتشمل الاغتيال السياسي غير المباشر عبر تسريب ملفات الفساد أو الفضائح، والتنافس على السيطرة على المؤسسات الحساسة مثل أجهزة الاستخبارات، والحرس الرئاسي، والبنك المركزي. كما تلجأ بعض الأجنحة إلى الخارج بحثًا عن حليف دولي يمنحها أفضلية سياسية أو أمنية، بالتوازي مع محاولات استقطاب الشارع لتعزيز الموقف التفاوضي.
ويتعمق هذا الصراع بفعل الفجوة الجيلية داخل النخب، بين نخبة تقليدية تتمسك بشرعية تاريخية (كالأحزاب الطائفية)، ونخب تكنوقراطية حديثة ترفع شعارات الكفاءة والانفتاح، لكنها غالبًا ما ترتبط بأجندات خارجية. هذا التنازع البنيوي يُعد أحد عوامل هشاشة الدولة، إذ يضعف الإجماع الوطني ويحوّل مؤسسات الحكم إلى أدوات تنازع لا أطر إدارة رشيدة.
أما الأجندات الخارجية، فتُدار عبر مزيج معقد من القوة الناعمة والضغوط الاقتصادية والتوجيه الأيديولوجي. ولا يتم ذلك دائمًا بالإكراه، بل عبر تقاطع المصالح، حيث ترى النخب أن مصالحها الشخصية أو السياسية مرهونة بتنفيذ سياسات تخدم القوى الدولية. ويبرز التمويل المادي، والقروض والمنح الدولية، كأدوات ضغط فعالة تُستخدم لتمرير سياسات اقتصادية أو إعادة تشكيل أولويات الدولة.
ويُضاف إلى ذلك استغلال طموحات شخصيات نافذة عبر وعود بمناصب دولية أو أدوار في منظمات أممية بعد انتهاء أدوارهم المحلية، فضلًا عن سعي النخب التي تفتقر للشرعية الداخلية إلى نيل الاعتراف الخارجي، سواء عبر هندسة الانتخابات أو تمويلها لضمان صعود “نخب صديقة”.
كما يشكل التغلغل الأيديولوجي والثقافي مسارًا طويل الأمد، من خلال المنح الدراسية، وتبادل الخبرات، وصياغة وعي أبناء النخب في بيئات خارجية، بما يخلق ارتباطًا فكريًا وعاطفيًا يصعب تفكيكه. ويكتمل ذلك بملف الاستشارات الأمنية، حيث يؤدي وجود مستشارين أجانب في دوائر القرار الحساسة إلى تقويض مفهوم السيادة الوطنية.
الخلاصة أن النخب المركزية تتحول إلى أدوات للأجندات الخارجية عندما تتقاطع مصالحها الضيقة مع رغبات القوى الدولية، وغالبًا ما يُبرَّر ذلك تحت شعار “المصلحة الوطنية العليا”. وتجاوز هذه الحلقة المفرغة يظل مشروطًا بإعادة بناء علاقة حقيقية بين الشعب والسلطة، وإبعاد النخب المغلقة عن مركز القرار لصالح شراكة ديمقراطية واسعة.




