رأي

ازدواجية المعايير في قراءة الحرب

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

العدلُ ميزانُ الله في الأرض، بهِ يستقيمُ السلطانُ وتطمئنُّ الرعيّة

من أخطر ما أصاب المشهد السياسي السوداني في زمن الحرب هو القفز فوق الوقائع، وتبني قراءاتٍ انتقائية تُسوّي بين أطرافٍ تختلف جذريًا في مواقفها من السياسة والحل السلمي ومسؤولية إشعال النزاع. فموقف “صمود” في بعض مساراته، حين يضع الجيش المختطف من جماعات الهوس الديني وقوات الدعم السريع في كفةٍ واحدة، ينطوي على تجنٍّ واضح، لا يخدم الحقيقة ولا يقرّب طريق الخروج من الأزمة.

الثابت بالشهادات الموثقة، الصادرة عن قياداتٍ من قلب التأسيس، أن الإسلاميين هم من أشعلوا الحرب وأطلقوا الطلقة الأولى، في محاولةٍ لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ثورة ديسمبر، واستعادة نفوذٍ لفظه الشارع. هذه ليست رواية خصم، بل إفادات متقاطعة تتلاقى عند مسؤولية محددة، ينبغي أن تُسمّى بأسمائها دون مواربة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل مستوى التجاوب السياسي لقوات الدعم السريع مع تحالف القوى المدنية، منذ مرحلة الحرية والتغيير، مرورًا بـ«تقدّم»، وصولًا إلى «صمود». فقد أبدت هذه القوات انخراطًا في مسارات سياسية متعددة، وتعاطيًا إيجابيًا مع الاتفاق الإطاري، وتوّجت ذلك بتوقيع مذكرة تفاهم لوقف الحرب، قوبلت برفضٍ صريح من الجيش. هذه الوقائع، سواء اتُّفق معها أو اختُلِف، تُظهر تفاوتًا واضحًا في المواقف لا يستقيم معه ميزان المساواة الأخلاقية والسياسية.

إنّ التعامل مع طرفٍ يُبدي استعدادًا للحلول، وآخرَ يُغلق الأبواب ويُراهن على الحسم العسكري، باعتبارهما موقفين متكافئين، هو اختزالٌ مخلّ يُضرّ بمفهوم العدالة الانتقالية، ويشوّش على بوصلة القوى المدنية. فالمساواة هنا ليست عدلًا، بل مساهمة غير مباشرة في تمييع المسؤوليات وإطالة أمد النزاع.

وحين تُؤجَّل الحقوق إلى المؤتمرات، وتُرهن المواطنة لأمزجة التاريخ، كما يحدث أحيانًا في خطاب بعض النخب، فإن الخاسر الأول هو المواطن الذي يبحث عن دولة قانون وسلام مستدام. الدكتور عبد الله حمدوك، ومعه قوى «صمود»، أمام اختبارٍ أخلاقي وسياسي: إما الانحياز الواضح لمنطق الحل السلمي المبني على الوقائع، أو الاستمرار في خطابٍ رمادي يُضعف الثقة ويُعمّق الاستقطاب.

إن طريق الخلاص يبدأ بتسمية الأشياء بأسمائها، وبناء موقفٍ سياسي لا يساوي بين من فتح نافذة للحل ومن أغلقها، لأن العدالة هي الميزان الذي لا يستقيم بغيره السلطان ولا الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!