
مؤيد الأمين
أعاد إعلان تحالف السودان التأسيسي رفضه للدور الرسمي المصري في الحرب الدائرة بالسودان طرح سؤالٍ جوهري؟ هل ما تزال بعض الأطراف الإقليمية تسعى فعلاً إلى إنهاء القتال، أم أنها أصبحت جزءًا من معادلة إطالته؟ فالاتهامات التي وجّهها التحالف للقاهرة بدعم أحد أطراف الصراع سياسيًا وعسكريًا، إضافة إلى إعادة لاجئين سودانيين قسرًا لا تقف عند حدود الخلاف الدبلوماسي، بل تمسّ جوهر فكرة الوساطة ذاتها.
من حيث المبدأ، يفترض في أي طرفٍ يشارك في مبادرات السلام أن يقف على مسافةٍ واحدة من جميع المتحاربين. هذه ليست قاعدة أخلاقية فحسب، بل شرطٌ عملي لنجاح الوساطة. فالدولة التي يُنظر إليها كحليفٍ لطرفٍ بعينه تفقد قدرتها على لعب دور “المحكّم”، وتتحول—ولو ضمنيًا—إلى طرفٍ في النزاع. وهنا تحديدًا تتكثف الإشكالية في الحالة المصرية، بحكم عضويتها في الأطر الإقليمية التي تُقدَّم باعتبارها رافعةً لوقف الحرب.
التحالف التأسيسي لم يكتفِ بانتقاد الموقف المصري، بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا إلى مراجعة دور القاهرة داخل المبادرات الرباعية، معتبرًا أن مشاركتها لم تعد مرغوبة سياسيًا. هذا الطرح يعكس تحوّلًا في المزاج السياسي السوداني، حيث لم يعد الجدل محصورًا في أطراف الحرب داخل البلاد، بل امتدّ إلى مساءلة أدوار القوى الإقليمية نفسها، ومدى اتساق خطابها عن السلام مع ممارساتها الفعلية.
في المقابل، يبرز تناقضٌ إقليمي لافت: اتهامات متقابلة لدولٍ مختلفة بدعم أطراف الصراع. فبينما تُتَّهم الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، تُتَّهم مصر بالانحياز إلى قوات البرهان التابعة لسلطة الأمر الواقع التي تشكّلت بعد انقلاب 25 أكتوبر. هذا المشهد يطرح احتمالين لا ثالث لهما: إما أن هناك صراع نفوذٍ حقيقي بين حلفاء إقليميين، أو أن توزيع الدعم على طرفي الحرب يعكس إدارةً غير مباشرة لاستمرارها بما يمنع الحسم ويُبقي السودان في حالة استنزاف.
كلا الاحتمالين يقود إلى النتيجة نفسها
تآكل الثقة في المبادرات الإقليمية. فعندما يشعر السودانيون بأن الوسطاء أنفسهم جزءٌ من الأزمة، تتحول مسارات السلام إلى ما يشبه (الديكور السياسي) الذي يمنح المجتمع الدولي انطباعًا بالحراك دون أن يغيّر شيئًا على الأرض. وهنا تتعمّق المأساة الإنسانية، إذ يعيش المواطن السوداني يوميًا ثمن حربٍ لا يملك قرارها، بينما تُدار حساباتها خارج حدوده.
غير أن تحميل المسؤولية الكاملة للخارج وحده قد يكون تبسيطًا مخلًا. فالحرب في جوهرها نتاج فشلٍ سياسي داخلي، وصراعٍ على السلطة بين قوى عسكرية لم تنجح النخب المدنية في إخضاعها لمنطق الدولة. لكن الدور الإقليمي يظل عاملًا حاسمًا في إطالة أمد النزاع أو تقصيره، خصوصًا حين يتحول الدعم السياسي أو العسكري إلى عنصر ترجيحٍ يمنع الوصول إلى تسوية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يدعم من؟ بل: من يملك مصلحة حقيقية في إنهاء الحرب؟ فالدولة التي تريد السلام فعلًا تُقاس أفعالها بمدى ضغطها لوقف القتال، لا بحجم خطابها الدبلوماسي. والوسيط الصادق هو من يخسر نفوذه المؤقت مقابل كسب استقرارٍ دائم في الإقليم.
في ضوء ذلك، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة تعريف مسار السلام السوداني بعيدًا عن توازنات المصالح الإقليمية الضيقة، وباتجاه عملية سياسية تُبنى على إرادة السودانيين أنفسهم. فالحروب التي تُدار من الخارج نادرًا ما تنتهي بسلامٍ عادل، بل غالبًا ما تتوقف فقط عندما يتغيّر ميزان المصالح.
يبقى الأمل معقودًا على وعيٍ سوداني يتجاوز الاستقطاب العسكري، ويعيد طرح سؤال الدولة المدنية الديمقراطية بوصفه الطريق الوحيد لإنهاء دوامة العنف. أما الوسطاء الإقليميون، فسيظلون تحت اختبارٍ أخلاقي وسياسي بسيط: إما أن يكونوا جزءًا من الحل… أو شاهدًا آخر على استمرار المأساة.




