رأي

السعودية والسودان: انحياز الجيش بوصفه سردية ثابتة لا موقفًا عابرًا

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

من يتابع الخطاب السياسي والإعلامي الصادر عن المملكة العربية السعودية تجاه الأزمة السودانية، يلحظ بوضوح أن الموقف السعودي لم يعد قابلًا للتأويل أو القراءة الرمادية. فالسعودية، عبر بياناتها الرسمية، وحراكها الدبلوماسي، ومنصاتها الإعلامية المؤثرة، ترسّخ سردية واحدة تكاد تكون مكتملة الأركان: الجيش السوداني هو الفاعل “الشرعي” الوحيد، وهو العمود الذي يجب الاتكاء عليه لضبط السودان، بينما يُنظر إلى قوات الدعم السريع باعتبارها تهديدًا بنيويًا لا بد من تحجيمه أو إقصائه متى ما سنحت الظروف.

هذا الانحياز ليس وليد لحظة الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، بل امتداد لموقف سعودي متراكم يرى في المؤسسة العسكرية التقليدية الأداة الأكثر أمانًا لإدارة الدول الهشة في الإقليم. في العقل الاستراتيجي السعودي، الجيش ليس مجرد مؤسسة وطنية سودانية، بل كيان يمكن فهمه، والتعامل معه، وربط مصالحه بشبكات النفوذ الإقليمي. لذلك ظل الخطاب السعودي يتحدث عن “الحفاظ على مؤسسات الدولة”، وهو تعبير يبدو ظاهريًا محايدًا، لكنه عمليًا يعني الإبقاء على الجيش في مركز السلطة، حتى وإن كان هذا الجيش جزءًا أصيلًا من الأزمة.

في مقابل هذا الدعم الضمني والمباشر للجيش، تبدي السعودية عداءً واضحًا لقوات الدعم السريع، لا تخفيه اللغة ولا الإشارات. فالسردية السعودية تصوّر الدعم السريع كقوة خارجة عن الدولة، وغير منضبطة، ومهددة للاستقرار الإقليمي، متجاهلة السياق المعقد الذي نشأت فيه هذه القوة، والدور الذي لعبته الدولة نفسها في صناعتها وتسليحها واستخدامها لسنوات طويلة. هذا العداء لا يُعبّر عنه دائمًا بصيغ مباشرة، لكنه حاضر في طريقة توصيف الأحداث، وفي الانتقائية الواضحة في تحميل المسؤوليات، وفي الصمت حيال انتهاكات الجيش مقابل التضخيم المستمر لأي فعل يصدر عن الدعم السريع.

تتحين السعودية الفرص لتكريس هذه الصورة، خاصة في المحافل الدولية والإقليمية، حيث يُقدَّم الجيش بوصفه “الضامن لوحدة السودان” و”خط الدفاع الأخير ضد التفكك”، بينما يُختزل الدعم السريع في صورة المليشيا التي تهدد الدولة. هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أن الحرب نفسها هي نتيجة صراع داخل مركز السلطة العسكرية، لا تمردًا على دولة مدنية قائمة. لكنها مقاربة تخدم هدفًا سعوديًا واضحًا: إنتاج طرف واحد يمكن الرهان عليه، بدل التعامل مع معادلة سودانية مركّبة تفرض إعادة نظر في مفهوم الدولة ذاتها.

الدافع السعودي هنا لا ينفصل عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع. فالسعودية ترى في السودان موقعًا استراتيجيًا حساسًا على البحر الأحمر، وفي جوار إقليمي ملتهب، وهي تفضّل وجود سلطة مركزية قوية — حتى وإن كانت سلطوية — على مخاطر التفكك أو صعود قوى غير قابلة للضبط. في هذا السياق، يصبح الجيش شريكًا مريحًا، بينما يُنظر إلى الدعم السريع كفاعل غير مضمون العواقب، يصعب دمجه في ترتيبات الأمن الإقليمي التقليدية.

غير أن هذا الانحياز السعودي يحمل تناقضًا جوهريًا. فمن جهة، تتحدث الرياض عن الاستقرار والسلام، ومن جهة أخرى تدعم سردية تُغذّي الحرب عبر منح أحد أطرافها شرعية سياسية وأخلاقية ضمنية. فالسلام الحقيقي لا يُبنى بالانحياز، ولا بإعادة تدوير نموذج عسكري أثبت فشله مرارًا في إدارة السودان. بل إن الإصرار على دعم الجيش دون مساءلة، والتعامل مع الدعم السريع بمنطق الإقصاء الكامل، يخلق اختلالًا في ميزان التسوية، ويؤجل أي حل جذري.

السعودية، بهذا المعنى، لا تتعامل مع السودان كمجتمع يسعى لإعادة تأسيس دولته، بل كساحة ينبغي ضبطها ضمن معادلات الأمن الإقليمي. ولذلك فإن سرديتها تنحاز للماضي أكثر مما تفتح أفقًا للمستقبل. هي سردية ترى في الجيش ضمانة، لا موضوعًا للإصلاح؛ وفي القوى المدنية عامل إزعاج، لا شريكًا أساسيًا؛ وفي الدعم السريع خطرًا ينبغي التخلص منه، لا مكوّنًا نتاج خلل الدولة القديمة.

إن استمرار هذا الموقف لن يقود إلى استقرار حقيقي، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل آخر. فالسودان لا يحتاج وصاية إقليمية منحازة، بل دعمًا متوازنًا يعترف بجذور الصراع، ويدفع نحو تفكيك الدولة العسكرية وبناء دولة مدنية جديدة. أما الرهان على الجيش وحده، فهو رهان على كيان كان دائمًا جزءًا من المشكلة، لا حلًا لها. وفي النهاية، فإن أي سردية تتجاهل إرادة السودانيين ستفشل، مهما بدت واقعية في حسابات اللحظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!