
فاطمة لقاوة
في أحدث تجليات إزدواجية المعايير، صدر البيان المشترك المنسوب إلى المملكة العربية السعودية ومواقف متقاطعة مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، متهمًا قوات الدعم السريع بإستهداف قوافل إنسانية وإنتهاكات جسيمة، دون تقديم أدلة قاطعة أو آلية تحقيق مستقلة وشفافة.
هذا البيان، الذي سارعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى الترحيب بمضمونه، يكشف بوضوح كيف تُدار قضية حقوق الإنسان في السودان بميزان المصالح لا بميزان العدالة.
ليس خافيًا أن مواقف دول مثل السعودية، الولايات المتحدة، بريطانيا، وفرنسا، وبيانات صادرة أو مسنودة من دوائر داخل الأمم المتحدة، قد إتسمت بإنحياز واضح لصالح جيش الحركة الإسلامية و المؤتمر الوطني في بورتسودان، عبر:تجاهل منهجي لجرائم موثقة إرتكبها الجيش وميليشياته المتحالفة معه.
تضخيم إتهامات لطرف واحد دون إخضاع الجميع لمعيار واحد.
الاكتفاء بلغة “القلق” أو “الدعوة لضبط النفس” حين يكون الجاني هو الجيش.
هذا الإنحياز لا يُفقد هذه الجهات مصداقيتها فحسب، بل يحوّلها إلى طرف سياسي في الصراع.
أين كانت الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان،ومكتب المفوض السامي؟ حين وقعت:مجازر سنار وسنجة والدندر.
جرائم كنابي الجزيرة.
الذبح والتمثيل بالجثث وبقر بطون النساء.
مزاعم استخدام أسلحة محرّمة دوليًا.
هذه الوقائع لم تُفتح حولها تحقيقات دولية جادة، ولم تُربط بسلاسل قيادة داخل الجيش، وكأن دماء المدنيين تُصنَّف وفق هوية القاتل.
الخطير في البيان السعودي–الأممي أنه:تبنّى رواية طرف واحد.
تجاهل السياق الكامل للصراع.
أسقط شرط الحياد والتحقق.
هنا يصبح السؤال مشروعًا:هل ما صدر بيان حقوقي أم إصطفاف سياسي يخدم إعادة تعويم جيش الحركة الإسلامية باعتباره “شريكًا مقبولًا”؟
التركيز الحصري على الدعم السريع لا ينفصل عن رغبة دولية قديمة في إعادة هندسة المشهد السوداني عبر:إقصاء قوى الأمر الواقع غير المنضبطة-في نظرهم- بالكامل لمعادلات النفوذ.
إعادة تمكين المؤسسة العسكرية ذات الجذور الإسلامية-التي تخضع لهم- تحت مسمى “الشرعية”
إستخدام خطاب حقوق الإنسان كسلاح ضغط لا كمرجعية أخلاقية
هذا هو السيناريو نفسه الذي سعت إليه قوى مدنية سابقًا حين راهنت على الإقصاء بدل التسوية، وكانت النتيجة إنهيار الإنتقال.
التاريخ السوداني يعلّمنا أن كل مشروع وطني وحدوي يخرج عن سيطرة المركز التقليدي يصبح هدفًا:جون قرنق قُتل في لحظة كان فيها مشروع السودان الجديد يهدد البنية القديمة،واليوم، تُمارس ضغوط سياسية وإعلامية ودبلوماسية لإقصاء أي قوة لا تقبل أن تكون تابعًا النمط واحد، والأدوات تتغير.
لا سلام دون:مساءلة كل الأطراف
تحقيقات دولية مستقلة غير إنتقائية
الإعتراف بأن الحرب لا تُختزل في طرف واحد
العدالة التي تُدار من الرياض وواشنطن ولندن وفق حسابات النفوذ، وتُمرَّر عبر منابر أممية صامتة، هي عدالة زائفة لن تُنهي الحرب، بل ستُطيل أمدها.
البيانً الذي يتجاهل جرائم موثقة للجيش وميليشياته، ويُحمّل طرفًا واحدًا كامل الوزر، ليس بيانًا إنسانيًا بل وثيقة سياسية منحازة.
دماء السودانيين أكبر من أن تُستخدم كورقة تفاوض أو أداة اصطفاف.
العدالة إما أن تكون شاملة، أو لا تكون.
ولنا عودة بإذن الله
الثلاثاء،١٠فبراير/٢٠٢٦م




