
سمية النور دهب ،، دبلن
حين تختل الموازين، لا تسقط الحقيقة… بل تنتظر من يعيد وزنها
في خضم العاصفة السودانية التي لم تهدأ بعد، يبرز قرار إدراج عبد الرحيم حمدان دقلو ضمن النشرات الخاصة المرتبطة بقرارات مجلس الأمن كعلامة فارقة تُثير ما هو أبعد من التساؤلات القانونية. فالقرار، رغم غلائه الشكلي، يشعل نقاشًا سياسيًا وأخلاقيًا حول معنى العدالة الدولية حين تُطبّق في بيئة مضطربة كالسودان، وحين يبدو ميزانها في نظر كثيرين مائلاً أكثر مما ينبغي.
الحرب السودانية لم تولد من فراغ، ولم تبدأ بطلقة واحدة، بل كانت نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وأيديولوجية متشابكة. ولهذا، فإن أي خطوة دولية تستهدف طرفًا واحدًا تُفهم، وبسهولة، باعتبارها قراءة انتقائية لأسباب النزاع. كثيرون داخل السودان يرون أن جذوة الحرب أشعلتها أطراف داخل المؤسسة العسكرية المتأثرة برؤى أيديولوجية ضيقة، وأن الصراع اتخذ شكل “معركة وجود” قبل أن يتحول إلى حرب مفتوحة. من هذا المنظور، يصبح عبد الرحيم دقلو وفق أنصاره ليس مجرد قائد عسكري معاقَب، بل طرفًا اعتُبر نفسه مدفوعًا للدفاع أمام محاولة إقصاء معلومة الدوافع.
ويزداد السؤال إلحاحًا عندما يُستذكر اتفاق المنامة، الذي أبدى فيه عبد الرحيم دقلو رغبة واضحة في السير نحو تسوية سياسية، وكان قاب قوسين أو أدنى من فتح باب لإنهاء المواجهات. لكن الاتفاق تعثر، وتراجع عنه الطرف العسكري الآخر، ليُطوى دون أن يُمنح فرصة حقيقية للحياة. هنا تتجلى المفارقة: هل تعاقب العقوبات رجلًا كان مستعدًا للدخول في مسار تفاوضي؟ وهل يُعقل أن يُترك الطرف الذي نسف فرصة السلام بلا مساءلة مماثلة؟
العقوبات، إذا لم تُبنَ على توازن حقيقي، تتحول من أداة للضغط نحو السلام إلى عنصر يُعمّق الإحساس بالظلم والاستهداف. والسودان، وهو يقف على حافة الانهيار، لا يحتاج إلى إجراءات تُقرأ كاصطفاف، بل إلى رؤية دولية تُسلّط الضوء على أصل الأزمة، لا على نتائجها فحسب.
إن العدالة التي تُطبق على طرف وتتجاهل آخر ليست عدالة، بل خطاب سياسي يرتدي ثوب القانون. والسؤال اليوم ليس عن إدراج اسم عبد الرحيم دقلو في قائمة، بل عن قدرة المجتمع الدولي على أن يكون وسيطًا لا قاضيًا، وبميزان لا يعرف الكفّة الواحدة.




