مناشده عاجله لحكومة تأسيس لبناء منظومة إعلامية وطنية فاعلة لخدمة مشروع التحول الديمقراطي
سهيبه مريش.. نيالا

سهيبه مريش
يمثل الإعلام ركيزة أساسية في بناء الدول الحديثة وعصب الحياة السياسية والاجتماعية في أي مجتمع يسعى إلى التطور والتحول الديمقراطي. إن نجاح أي حكومة تأسيسية، تسعى لإرساء قواعد دولة مدنية حديثة، مرهون بقدرتها على إدارة الحوار العام وتشكيل الوعي الجمعي بفعالية ومهنية. في هذا السياق، تبرز الحاجة الماسة والعاجلة إلى مناشدة حكومة التأسيس بوضع قضايا الإعلام على رأس أولوياتها القصوى، وتسريع عملية تعيين وزير للإعلام يتمتع بالرؤية والكفاءة اللازمتين لوضع خطط وبرامج طموحة تخدم بشكل مباشر مشاريع الحكومة التأسيسية. إن تأخير هذا الإجراء يترك فراغاً استراتيجياً يمكن أن تستغله قوى معرقلة للتحول، مما يهدد المسار الإصلاحي بأكمله.
إن الهدف الأسمى لأي عملية تأسيسية هو بناء نظام ديمقراطي مستدام قائم على المشاركة والشفافية وسيادة القانون. لا يمكن تحقيق هذا الهدف دون وجود خطاب إعلامي محترف وموحد الرؤية، قادر على شرح الأهداف والمبررات لخطوات التأسيس أمام الجمهور المحلي والدولي. لذا، فإن الإسراع في تشكيل وزارة إعلام فاعلة ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان حشد الدعم الشعبي لمشاريع الإصلاح. يجب أن تتمثل الأولوية الأولى لهذه الوزارة في وضع خطط وبرامج طموحة تستند إلى أسس برامجية واضحة ومحكمة، تضمن تقديم رؤية متكاملة للمستقبل. هذه الخطط يجب أن تتجاوز مجرد الرد على الأزمات إلى بناء استراتيجية إعلامية طويلة الأمد.
يتطلب بناء خطاب إعلامي محترف وجود بنية تحتية إعلامية متطورة. هذا يستدعي التركيز على إنشاء وتفعيل قنوات فضائية وإذاعات ومنصات رقمية متخصصة تتبنى المعايير المهنية الرفيعة. لا يمكن الاعتماد على الإعلام الخاص وحده في هذه المرحلة الحساسة؛ فالدولة التأسيسية تحتاج إلى أدوات إعلامية وطنية قادرة على صياغة رسائل واضحة حول الدستور، والحقوق والواجبات، وأهمية المرحلة الانتقالية. هذه المؤسسات يجب أن تكون منارات للعقلانية والمهنية، بعيدة عن الاستقطاب الضيق أو التسييس المباشر الذي قد يضر بمصداقيتها. إن الاستثمار في تطوير الكوادر الإعلامية وتدريبها على فنون التقديم الاحترافي، والتحليل العميق، وأخلاقيات المهنة، يعد استثماراً مباشراً في نجاح المشروع الوطني.
علاوة على ذلك، يلعب التنسيق والتشبيك مع الإعلام الخارجي دوراً حيوياً في دعم مشروع التحول الديمقراطي. فالتصورات الدولية حول مسار الدولة التأسيسية تؤثر بشكل مباشر على الدعم السياسي والاقتصادي والاعتراف الدولي. يجب على وزارة الإعلام الجديدة أن تعمل على بناء جسور متينة مع وسائل الإعلام العالمية والمؤسسات الدولية المرموقة، لتقديم صورة حقيقية وشفافة لما يجري على أرض الواقع، وتفنيد أي روايات مغلوطة أو تشويهات قد تستهدف المشروع التأسيسي. هذا التشبيك لا يقتصر على العلاقات العامة، بل يشمل أيضاً استضافة الخبراء والمراسلين، وتسهيل عملهم لضمان تغطية موضوعية وعادلة. إن تفعيل الدبلوماسية الإعلامية يساهم في كسب ثقة المجتمع الدولي كشريك موثوق به في مسيرة التحول.
إن أهمية تفعيل الإعلام تظهر جلياً عند النظر إلى التحديات التي تواجه أي عملية تأسيس ديمقراطي، كالتحديات الأمنية، والضغوط السياسية الداخلية والخارجية، ومحاولات التشكيك في النوايا الإصلاحية. في غياب صوت إعلامي قوي وموثوق، تسود الفوضى المعلوماتية، وتنتشر الشائعات التي تستهدف زعزعة الاستقرار. إن الإعلام الفعال هو خط الدفاع الأول ضد حملات التضليل، وهو الأداة الرئيسية لتعزيز ثقافة الحوار وقبول الآخر، وهي قيم جوهرية للتحول الديمقراطي. على سبيل المثال، شهدت العديد من التجارب الانتقالية حول العالم، مثل تلك التي مرت بها دول الربيع العربي، تعثراً كبيراً عندما فشلت الحكومات التأسيسية في السيطرة على السردية الإعلامية، مما سمح للقوى المعادية للديمقراطية بتوجيه الرأي العام نحو اليأس أو التطرف.
لذلك، يجب أن تكون الخطط الطموحة لوزارة الإعلام مرتبطة بشكل وثيق بأهداف الحكومة التأسيسية المتعلقة بالعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية، وبناء المؤسسات. على سبيل المثال، يمكن إطلاق برامج تلفزيونية وإذاعية مخصصة لشرح مواد الدستور الجديد بشكل مبسط ومفصل، وبرامج حوارية تجمع بين ممثلي الأطراف السياسية المختلفة لإظهار التزام الحكومة بمبدأ التعددية. هذا الدور التثقيفي والتعبوي يتطلب قيادة إعلامية تتمتع بالاستقلالية المؤسسية عن الضغوط السياسية اليومية، مع التزامها المطلق بالتوجهات الاستراتيجية للدولة.
إن اختيار وزير الإعلام يجب أن يرتكز على معايير الكفاءة والنزاهة والخبرة في إدارة المؤسسات الإعلامية الكبرى، وليس على اعتبارات المحاصصة السياسية الضيقة. يجب أن يكون هذا الوزير قادراً على بناء فريق عمل يمثل مختلف الأطياف الفكرية والمهنية، لضمان أن يكون الخطاب الإعلامي شاملاً وممثلاً لكافة مكونات المجتمع. إن هذا التوجه الاحترافي سيضمن أن تكون الرسالة الإعلامية موجهة نحو خدمة مشاريع التحول الديمقراطي، وليس لخدمة أجندات فئوية أو شخصية.
في الختام، إن مناشدة حكومة التأسيس بالإسراع في تفعيل المنظومة الإعلامية الوطنية هي نداء للحفاظ على مسار التحول الديمقراطي ومكافحة التحديات المعاصرة. إن تأسيس إعلام محترف، من خلال تعيين وزير كفء، وإنشاء قنوات وإذاعات متخصصة، وتفعيل التنسيق مع الإعلام الخارجي، يشكل استثماراً ضرورياً لضمان وصول رؤية الحكومة التأسيسية إلى كل مواطن، وتعزيز الوعي بأهمية المشاركة المدنية الفاعلة. إن الإعلام القوي والمهني ليس ترفاً، بل هو أداة بناء أساسية للديمقراطية الناشئة، وتأخيره يعرض المشروع الوطني برمته لخطر التأخير أو الانحراف. يجب أن تتخذ الحكومة الإجراءات الحاسمة والفورية لتنفيذ هذا الملف الاستراتيجي.




