
نجم الدين دريسة
ليس أخطر على الأمم التي تعبر دروب الحروب من أن تتعامل مع مآسيها باعتبارها قدرًا محتومًا، أو أن تُغلف إخفاقاتها بتفسيرات غيبية تُعفي العقل من واجب التحليل والمساءلة. فالحروب لا تنشأ في الفراغ، ولا تهبط من السماء، بل هي نتاج مسارات سياسية واجتماعية واقتصادية مختلة، تتكرر لأننا نرفض تفكيك أسبابها، ونكتفي بالهروب إلى نشوة انتصار عابر أو مرارة هزيمة طويلة، دون الوقوف أمام الحقيقة بعقل ناقد ومسؤول.
دفع السودان، ولا يزال، أثمانًا باهظة لهذه الدوامة؛ دماء أُريقت بلا حساب، ومناطق أُفرغت من سكانها، وبنية اجتماعية تآكلت تحت وطأة النزوح والخوف. إن هذه الخسائر لا يجوز التعامل معها كوقائع عابرة، بل كإنذار تاريخي يستوجب مراجعة جذرية، لأن تجاهل الدروس لا يعني إلا تهيئة المسرح لجولة جديدة من العنف، أكثر قسوة واتساعًا.
السلام، في جوهره، ليس هدنة مؤقتة بين حربين، ولا وثيقة تُوقّع ثم تُنسى، بل عملية عميقة لإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع. وهو يبدأ بالاعتراف الصريح بالمظالم التاريخية، وبالأخطاء والانتهاكات التي مورست بحق مجتمعات كاملة، دون تبرير أو انتقائية. فلا سلام مستدام من دون عدالة، ولا عدالة مع إنكار الجرائم أو تسييسها، ولا تعافٍ وطني في ظل خطاب كراهية يُغذي الانقسام ويمزّق النسيج الاجتماعي.
تتضاعف تعقيدات هذا المسار في السودان، البلد الذي يتميز بتنوع اجتماعي وثقافي فريد، ويمتلك موارد طبيعية ضخمة كان يمكن أن تشكّل أساسًا لنهضة اقتصادية شاملة. غير أن هذه النعمة تحوّلت، بفعل غياب الإدارة الرشيدة والعدالة في التوزيع، إلى وقود للصراع. وهكذا صار السودان مثالًا صارخًا لما يُعرف بـ«لعنة الموارد»، حيث تُستغل الثروات لتعزيز الصراع على السلطة بدل أن تُسخّر لبناء الدولة.
ولا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن أزمة القيادة وبنية الحكم. فالشعب السوداني لم يكن يومًا عائقًا أمام السلام، بل ظل يتطلع إلى الحرية والعدالة والعيش الكريم. لكن هذه التطلعات اصطدمت بهشاشة المؤسسات، وغياب الدستور الجامع، واستمرار مركزية خانقة كرّست التهميش، وربطت مصير البلاد بحسابات خارجية. ومع تراجع الإحساس بالمواطنة الجامعة، تمددت الهويات الضيقة، وتغذّى خطاب العنصرية، فتعمّقت الشروخ داخل المجتمع.
وزاد الأمر سوءًا استسهال الحلول السطحية، عبر الهروب من معالجة جذور الأزمة السياسية، واللجوء إلى إعادة إنتاج الصراع بأسماء جديدة. فبدل مواجهة المرض، جرى الاكتفاء بتغيير أعراضه، لتدور البلاد في حلقة مفرغة من العنف، تُهدر فيها الطاقات وتُستنزف الفرص.
وغالبًا ما تتحمل مجتمعات الأرياف والهوامش العبء الأكبر لهذه الصراعات؛ إذ تواجه القتل والتهجير وتدمير سبل العيش، بينما يواصل الخطاب الرسمي، المنحاز للمركز، شيطنة هذه المجتمعات وتصويرها بوصفها مصدر تهديد، في تكريس لخطاب كراهية يعمّق الانقسام ويقوّض أي مشروع وطني جامع.
إن الحديث عن التأسيس لمرحلة جديدة يحمل دلالة مهمة في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، لكنه يظل ناقصًا ما لم يُستكمل بشروطه الجوهرية: بناء الثقة على أسس الشفافية، وتغيير أنماط التفكير القديمة، واحترام المواثيق والعهود بوصفها التزامًا أخلاقيًا قبل أن تكون تعهدًا سياسيًا. فلا نهضة بلا مراجعة، ولا تغيير بلا شجاعة فكرية، ولا دولة بلا مواطنة متساوية.
كما أن إشراك المجتمع بكل أطيافه في صياغة المستقبل ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية. فالدول التي تُبنى بالإقصاء تحمل بذور انهيارها في داخلها. وحده المشروع الوطني الجامع، القائم على الاعتراف والعدالة والمشاركة، قادر على إغلاق أبواب الحرب وفتح أفق الاستقرار.
إن الدروس التي كُتبت بدماء السودانيين لا تحتمل التأجيل. فإما أن نقرأها بعينٍ مفتوحة، ونحوّل الألم إلى وعي، والوعي إلى فعل، أو نترك التاريخ يعيد نفسه بوجه أكثر قسوة. وفي الحالتين، تبقى المسؤولية مشتركة، والاختيار أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا.




