رأي

ما وراء “النقاب” تشريح الأبارتهايد السوداني جريمة دولة 56 المركبة: حينما يتحدث الأبارتهايد العربية كيف حولت نخب انتهازية غير أخلاقية، الثقافة العربية و الدين الإسلامي إلى سلاح للظلم و البطش و العدوان؟

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

 مجدي محمد مصطفي ماكن

لماذا لا يجب أن يسمح شرفاء العرب و المسلمين أن يتم كل هذا الظلم بأسم ثقافتهم و دينهم؟

الثقافية العربية ثقافة سودانية محترمة، تعج بالنبل و الأخلاق و القيم الإنسانية الرفيعة، لقد اشتهر العرب بالكرم و النخوة و المروءة. اما الدين الإسلامي فهو دين سلام و محبة و عدالة. لا يختلف عن كل الديانات السماوية التى كرمت الإنسان و رفعت قدرة.

البحث عن “دي كليرك” في ركام الخرطوم!

“من الأبارتهايد المعلن إلى الأبارتهايد المقنع: دولة جنوب أفريقيا البيضاء و(دولة 56) في السودان”

كان ذلك عنوان لورقة بحثية مقارنة صدرت عن مركز السودان الجديد للدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية في المملكةالمتحدة.

ورقة أعدت بمنهج أكاديمي صارم، أجرت مقارنة دقيقة وشاملة، بين نظام دولة 56 ونظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا.

لقد خلصت تلك الدراسة “المهمة” الى ان نظام دولة 56 هو نظام أبارتهايد مكتمل الأركان وفقا للقانون الدولي، وان الفرق بينه وبين النموذج الجنوب أفريقي هو ان الأبارتهايد السوداني مقنع أو “منقب”، وأكثر وحشية.

أدعو كافة أبناء السودان للاطلاع على تلك الدراسة المقارنة لما تحويه من حقائق صادمة تعيد تعريف حقيقة الصراع السوداني.

إن الغرض من الحرب النفسية “المستمرة” دون انقطاع على السودانيين بواسطة الدولة، كان على الدوام هو اجبارهم دون إرادتهم، ودون ان يشعروا، للاستسلام لمعايير “مختله” تحت ضغط ومفعول “الهندسة الاجتماعية”.

أصبح الحديث عن سياسات الدولة العنصرية، يحارب بالتنميط وبالاتهام ب “العنصرية”. وقد نجحوا في اخراس الأغلبية دون أدنى مقاومة.

لقد تم برمجة عقولنا “عمدا” على وزن الامور بميزان معطوب، والتعاطي العاطفي مع الأشياء. حتى يتم اجبارنا على الصمت وايثار النجاة الفردية.

النتيجة؟ كانت تهربنا، نحن معشر السودانيين، من تسمية الأشياء بأسمائها. تحت بند المسكوت عنه.

اختبأنا طويلاً خلف مصطلحات مهذبة مثل “التهميش”، و”عدم التوازن التنموي”، و”المركز والهامش”، لكن الحقيقة التي تصفعنا بها الورقة البحثية الصادرة عن المركز تقول بوضوح كفوا عن التجميل و”الغتغتة”، إنه نظام “أبارتهايد”، أبارتهايد لكنه يرتدي عمامة وجلابية، أبارتهايد يرتدي “النقاب”.

هذه هي الحقيقة التي يجب أن نلتف حولها جميعا اليوم، وهي أن ما حدث في السودان منذ 1956 لم يكن مجرد فشل إداري، بل كان نظاماً هندسياً دقيقاً للامتياز، يشبه في جوهره نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، مع فارق “خبيث” واحد. في جوهانسبرج، كان الفصل وقحاً ومعلناً بناءً على “اللون”، ومكتوب في القوانين “قنقر”، أما في الخرطوم، فقد كان أبارتهايد ناعماً، مقنّعاً، “منقباً”، حربائي يتخفى خلف نصوص دستورية براقة تتحدث عن المساواة، يستخدم “الترميز التضليلي”، ينتج “الفلنقايات” المدجنين داخل الجيش او في الأحزاب، بينما تمارس الدولة فعلياً فصلاً عنصرياً تعسفياً صارماً أدواته العرق، اللغة، والدين، وليس لون البشرة فقط كما هو الحال في جنوب أفريقيا سابقآ.

إن “دولة 56” ليست تاريخاً مضى، بل هي بنية حية. هي الدولة التي ورثت تركة الاستعمار لتمنح امتيازاً بنيوياً لنخبة محددة “عربية/مسلمة في المركز النيلي”، بينما تركت السواد الأعظم في الهامش خارج أسوار المواطنة الكاملة. إنها الدولة التي استخدمت “التعريب والأسلمة” ليس كثقافة ودين، بل كسلاح، كأدوات قمع ثقافي وديني وعرقي ومأسسة للتهميش.

دعوة اليوم للمثقف التأسيسي ليست للانخراط في صراع تحرر عسكري فقط، بل لقيادة “انتفاضة مفاهيمية”. علينا أن نمتلك الجرأة على القول بأن الفاتورة البشرية التي دفعها السودان (ملايين الضحايا في الجنوب ودارفور وكردفان والنيل الأزرق) وفي الحرب الحالية، ليست “أضراراً جانبية” لحرب أهلية، بل هي النتيجة الحتمية لنظام فصل عنصري مقنّع.

إن الاعتراف بالمرض هو نصف العلاج، وتسمية “دولة 56” بأنها “دولة أبارتهايد” هي الخطوة الأولى نحو إسقاط أقنعتها، تمهيداً لتفكيكها وتدميرها.

البحث عن “دي كليرك” في ركام الخرطوم

يعلمنا التاريخ أن تفكيك أنظمة الامتياز الراسخة لا يتم فقط عبر الثوار القادمين من الغابات أو الصحاري، بل يحتاج دائماً إلى “ضمير شجاع” من داخل القصر. في جنوب أفريقيا، لم يخرج مانديلا من السجن ليحكم، وتنتهي الكراهية والانتهاكات، وتتحول جنوب أفريقيا الى واحدة من اهم الاقتصاديات في العالم، إلا لأن “فريدريك دي كليرك”، ابن النظام ورئيسه، امتلك الشجاعة ليعترف بأن زمن الأبارتهايد قد انتهى، وقرر تفكيكه من الداخل.

اليوم، ونحن نقف أمام ركام الحرب، تطرح علينا الورقة البحثية مقاربة مدهشة وشديدة الواقعية.

هل نمتلك في السودان ثنائية (مانديلا – دي كليرك)؟

الطرح يشير بوضوح إلى أن القائد عبد العزيز الحلو يمثل الضلع الأول: “مانديلا السودان”. الرجل الذي تمسك بالصبر الاستراتيجي الأخلاقي، ورفض أنصاف الحلول، مصراً على علمانية الدولة والمواطنة المتساوية كشرط وحيد للسلام. إنه يمثل الشرعية الأخلاقية للمقاومة. يشاركه في ذلك القائد الأخلاقي عبد الواحد محمد نور الذي رفض المساومة على أي حلول سلطوية حتى عرف ب “مستر نو”، و بقيه قادة حركات التحرر المنحدرين من العناصر الأفريقية.

لكن المفاجأة، والتحدي هو في الضلع الثاني. تشير الدراسة إلى أن الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي) يمثل فعلا “دي كليرك السودان”. فهو جنرال خرج من رحم المؤسسة العسكرية لدولة 56، ومن داخل الثقافة العربية، لكنه مر بتحول تاريخي قاده للقبول بتفكيك دولة الامتياز وإعادة تعريف موضعه.

قد يجادل البعض في الماضي، وهذا حق. لكن السياسة هي فن التعامل مع التحولات. دي كليرك أيضا لم يكن يمتلك صحيفة ناصعه، فهو رئيس وزراء الأبارتهايد ذاته. بينما القائد حميدتي ارتبط بحيز محدود من تاريخ الأبارتهايد السوداني. إن قبول قائد يمتلك القوة العسكرية والنفوذ بالجلوس وتوقيع “تحالف تأسيس” ويتبنى تفكيك دولة 56، و يقف معه صفوة من نخب الدولة القديمة من المكونات العربية الأخرى هو اللحظة التاريخية التي انتظرناها. إن الهجوم الشرس الذي تشنه قوى “النظام القديم” والحركة الإسلامية الارهابية عليه اليوم، وقيامها بإشعال الحرب ضده، هو أكبر دليل على أن “حميدتي” و رفاقه قد لمسوا العصب الحي لدولة الامتياز. حينما نادوا بالسلام وانهاء العداء والحروب.

على المثقف التأسيسي أن يلتقط هذه اللحظة. إن التحالف بين “أخلاقية مانديلا” (مشروع الحلو) و”واقعية وشجاعة دي كليرك” (تحول حميدتي) هو الفرصة الوحيدة لتجنيب السودان مصير التلاشي. إنها ليست دعوة لتبييض الصفحات، بل دعوة لقراءة الواقع: لا يمكن تفكيك الأبارتهايد دون شريك قوي من الضفة الأخرى يقرر هدم الجدار.

ان شن الجيش للحرب ضد الدعم السريع ورفضه للسلام يؤكد أنه لا يوجد أمل في “ضباط” جيش البازنقر. وليس فيهم “دي كليرك” قد يخرج من ركام الخرطوم. الواقع يقول ان الجيش على امتداد تاريخ الدولة السودانية الحديثة ليس له “أنياب” حقيقية سوى استغلال مجتمعات البادية والمجتمعات الأخرى وضربهم ببعض.

لقد أسقط القائد حميدتي أنياب البازنقر بضربة قاضية تمثلت في شجاعته وواقعية وانحيازه، ومن خلفه انحازت جموع مجتمعات البوادي و شرفاء السودان لمشروع السودان الجديد. ذلك يجعله دي كليرك السودان بلا منازع.

من التوصيف إلى التأسيس

تورد تلك الدراسة حقائق صادمة كما أسلفنا، حيث إن العنف المباشر والبنيوي لدولة 56 والاثار المترتبة على ذلك العنف تضعنا أمام استحقاق تاريخي. اتفاقنا على هذا التشخيص “أبارتهايد مقنّع” “منقب”، على دولة 56، واتفاقنا على ان أدوات الحل هي تحالف تأسيس، حميدتي – الحلو واخرين، كمعادل موضوعي لنموذج جنوب أفريقيا، تمليه حقائق الواقع.

العنف المباشر، لقد قتلت دولة 56 أكثر من (3) مليون انسان سوداني في حروب عبثية، وهجرت ونزحت أكثر من 20 مليون، ذلك يتجاوز عدد ضحايا الأبارتهايد الجنوب أفريقي ب (134) ضعف.

في جنوب افريقيا قتل حوالي 21 ألف الى 36 ألف حسب تقديرات الأمم المتحدة نتيجة العنف المباشر.

العنف البنيوي تمثل في سياسات الإفقار المتعمد، حيث سُمح بإنفاق 10% فقط على تعليم السود مقارنة بالبيض، في جنوب افريقيا، بالإضافة إلى الحرمان من الخدمات الصحية والفرص الاقتصادية، مما أدى لوفيات غير مباشرة تقدر بمئات الآلاف نتيجة الأمراض وسوء التغذية.

اما في السودان فإن العنف البنيوي يفوق كل تصور لدرجة لا يمكن مقارنته بالنموذج الجنوب افريقي.

ملايين الأطفال خارج السلم التعليمي، المجاعة المتكررة والحصار، استخدام التجويع كسلاح (كما في جبال النوبة) وحصار المناطق غذائياً. بالإضافة إلى الحرمان من الخدمات الصحية والفرص الاقتصادية والعنف الجنسي، استخدام الاغتصاب بشكل ممنهج ومنظم كسلاح حرب، تدمير البنية التحتية دمار شامل ومقصود، بالإضافة الى استخدام الأسلحة الكيميائية. عكس جنوب أفريقيا حيث كان التدمير انتقائياً.

يتميز العنف في السودان بكونه شاملاً ومستمراً ووحشياً دون انقطاع منذ 1956، مستهدفاً الإثنية والدين، ومخلفاً ملايين الضحايا، بينما انتهى العنف في جنوب أفريقيا بعد عام 1994 وكانت أرقام ضحاياه المباشرين أقل بكثير (بالآلاف مقابل الملايين في السودان).

دور المثقف التأسيسي اليوم يتجاوز “التقوقع” داخل “متاهة” منظومة القيم الأخلاقية “المزورة” التي وضعتها الدولة القديمة؛ تلك المتاهة التي تم حبسنا داخلها بالحرب النفسية. بل يتعداه الى التحرر، وكسر القيود، وتصحيح المفاهيم، ثم ممارسة دورة الطليعي في انتاج وحراسة “السرديات الحقيقية” ونشرها وتطويرها.

يجب أن يغادر مصطلح “الأبارتهايد المقنّع” أضابير الخطابات والنخب ليصبح لغة الشارع والمجالس. مسؤوليتك هي شرح كيف أن الحرب الحالية ليست حرباً عبثية فقط، بل هي “مخاض التفكيك” الضروري لنظام رفض أن يموت بسلام.

الأرقام باردة، لكن القصص تحرق.  

هناك شهادات مرعبة من جنوب السودان السابق, ومن دارفور وجبال النوبة، والجزيرة والخرطوم، عن كيف قامت أجهزة الدولة بهندسة هذا العنف داخل معاملها الأيدلوجية، دورك هو إخراج هذه الشهادات للعالم.

يجب ألا نخجل من تاريخنا أو من تعرضنا للخداع أو الاستغلال. أو من استخدام بعضنا وقود حرب في تلك المليشيات التي انتجتها الدولة، أو من استخدام ديننا وثقافاتنا أو حتى اعراقنا في قهر وإبادة السودانيين،

بل يجب علينا كشف من ومتى وكيف تم خداع مجتمعاتنا، ولماذا.

يجب علينا المساعدة والمساهمة في تشجيع “شهود ملك” ليقفوا أمام العالم ويكشفوا كيف كان يتم تحريضهم ضد السودانيين على أساس العرق والدين واللون.

يجب علينا المساعدة والمساهمة في تشجيع “التأسيسيين” من العرب والمسلمين من كل السودانيين لتقديم ما لديهم من معلومات وشهادات تثبت التواطؤ والتآمر “الاتفاق الجنائي” للأبارتهايد المنقب في السودان.

إن هذا التحالف ليس مجرد اتفاق سياسي، بل هو النواة الصلبة لـ “السودان الجديد”. يجب الالتفاف حوله، ونقده لتطويره، لا لهدمه بالتردد. إنه الإطار الوحيد الذي يجمع بين “الرؤية” و”القوة” اللازمتين للتغيير.

كما يجب علينا التدويل القانوني بناء على هذه الحقائق التي اثبتتها الدراسة، لمخاطبة العالم بلغته. ان تقديم شهادات ملك وشهادات لشخصيات من داخل النظام و من داخل الثقافة العربية والإسلام تثبت الحقيقة، ستجعل العالم يتحرك.

العالم قد لا يتحرك لـ “صراع قبلي”، أو حرب جنرالين، لكنه لا يستطيع تجاهل “نظام فصل عنصري” مكتمل الأركان. هذه الورقة مدعومة بشهادات واعترافات هي وثائق إدانة قانونية يجب أن تصل لكل محفل دولي.

إن السودان يقف اليوم عند نفس المفترق الذي وقفت عنده جنوب أفريقيا مطلع التسعينات. الفرق الوحيد هو أن نخبهم التقطت القفاز وصنعت التاريخ.

فهل نلتقطه نحن، أم نظل نلعن الظلام مترددين داخل “المتاهة” بينما “دولة 56” تعيد إنتاج نفسها من وسط الدماء؟

الكرة في ملعبنا.. والوقت من دم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!