
عبدالرحمن العمرابي
في السودان لا تحتاج أن تكون خبيراً في العلوم السياسية لتفهم سبب انهيار الدولة. يكفي أن تراقب كيف تُصنع الحكومات، وكيف تُوزع المناصب، وكيف تتحول الدولة في كل مرة إلى “ترابيزة قسمة” لا إلى مشروع وطن. في السودان، المحاصصة ليست مجرد أسلوب حكم سيئ، بل هي عقيدة سياسية متجذرة، ومرض مزمن، ولعنة تاريخية تتوارثها الأنظمة كما يتوارث الناس الأسماء والأراضي.
المحاصصة عندنا ليست توزيع وظائف، بل توزيع وطن. ليست خلافاً على وزارة، بل خلافاً على معنى الدولة نفسها. لأن الدولة في المخيال السياسي السوداني لم تُعامل يوماً كمؤسسة فوق الجميع، بل كغنيمة يمكن اقتسامها، ثم التقاتل عليها، ثم البكاء عليها بعد خرابها. وكأن السودان قدره الأبدي أن يظل “دولة تحت التفاوض”، لا دولة تحت القانون.
منذ الاستقلال، لم يكن السؤال الأساسي عند تشكيل أي حكومة: ماذا سنفعل؟ بل كان السؤال الحقيقي دائماً: من سيأخذ ماذا؟ ومن سيدخل؟ ومن سيُقصى؟ ومن يجب “ترضيتُه” حتى لا يثير الضجيج؟ هكذا تحولت الدولة إلى مطبخ سياسي دائم، لا ينضج فيه مشروع، ولا تخرج منه خطة، بل يخرج منه فقط طبق واحد متكرر: طبق التوازنات.
الديمقراطيات السودانية الأولى والثانية والثالثة لم تسقط لأنها ديمقراطية، بل لأنها لم تكن دولة. كانت ديمقراطية من دون مؤسسات، وتحالفات من دون برنامج، وحكومات من دون معنى. البرلمان تحول إلى سوق مساومات، والوزارة إلى جائزة سياسية، والقرار إلى صفقة. السياسي لا يدخل الوزارة ليعمل، بل يدخلها ليضمن مكانه في القسمة القادمة. وكل حكومة كانت تتشكل كما تتشكل لجان الأفراح: المهم ألا يغضب أحد، المهم أن نوزع الكراسي، أما الوطن فليجلس في الصف الأخير إن وجد مقعداً أصلاً.
ثم جاءت الانقلابات العسكرية وهي ترفع نفس النغمة المسرحية: “جئنا لإنقاذ البلاد من فوضى الأحزاب”. لكن الانقلابات لم تنقذ شيئاً، بل استبدلت محاصصة الأحزاب بمحاصصة الأجهزة. استبدلت مفردات السياسة بمفردات الولاء الأمني. صار التعيين مكافأة، والإقصاء عقوبة، والمؤسسة مجرد مكتب تابع، والدولة مجرد جهاز توزيع امتيازات لمن يطيع. وكما فعل المدنيون من قبل، لم يسأل العسكريون أنفسهم: كيف نبني دولة؟ بل سألوا: كيف نُحكمها؟ وكيف نُحكم السيطرة عليها؟ وكيف نضمن استمرارها في يد “المنظومة”؟
ثم جاءت مرحلة الإنقاذ، فارتقت بالمحاصصة من ممارسة سياسية إلى نظام تشغيل كامل للدولة. لم تكتف بتوزيع المناصب، بل أعادت تصنيع السودان على قاعدة واحدة: التمكين. والتمكين ليس سوى محاصصة منظمة، لكنها محاصصة ترتدي عباءة دينية، وهذا أخطر أنواع المحاصصة، لأنه يجعل الخصم السياسي خصماً لله أيضاً. بعد سنوات طويلة، اكتشف الناس أنهم لم يحصلوا على دولة قوية ولا مشروع حضاري، بل حصلوا على دولة تُدار كأنها شركة مغلقة، ميزانيتها سرية، وقراراتها سرية، وأرباحها معروفة، وخسائرها يدفعها المواطن وحده.
ثم جاءت اتفاقيات السلام، وكان يفترض أن تكون بوابة لإنهاء الحرب وبناء وطن، لكنها تحولت بسرعة إلى بازار سياسي جديد. السلام لم يعد يعني وقف الدم، بل صار يعني توزيع الدم في شكل نسب. كم وزارة؟ كم ولاية؟ كم مقعد؟ كم صندوق؟ كم نسبة؟ حتى أصبح السلاح هو أسرع طريق للحصول على نصيب من الدولة. من يحمل فكرة يُطلب منه الصبر لأنه “لا وزن له على الأرض”، ومن يحمل بندقية يُمنح الشرعية، ويُستقبل كمفاوض محترم، ويُعامل كصاحب حق. هكذا تحولت السياسة إلى تجارة قوة، وتحول الوطن إلى كعكة مكافآت.
ثم جاءت ثورة ديسمبر، وخرج الناس وهم يظنون أن زمن الغنيمة انتهى. لكن كثيراً من القوى السياسية دخلت المرحلة الانتقالية بنفس عقلية الغنيمة، مع تغيير المفردات فقط. بدل “التمكين” قالوا “تفكيك”، بدل “الولاء” قالوا “ثورية”، بدل “نصيبنا” قالوا “استحقاقنا”. لكنها كانت نفس المحاصصة القديمة، بوجه جديد، ونبرة أخلاقية مصطنعة. وكأن الثورة عند البعض لم تكن مشروع دولة، بل فرصة تاريخية ليصبحوا هم ورثة الدولة التي كانوا يلعنونها.
ثم جاء الانهيار الأكبر، وجاءت الحرب، وكأن السودان وصل إلى نهايته المنطقية. الحرب لم تكن مفاجأة، بل كانت الإعلان الرسمي أن المحاصصة بلغت المرحلة الأخيرة: مرحلة أن يصبح السلاح هو بطاقة الدخول الوحيدة إلى السلطة. وحين يصبح السلاح معياراً، تصبح الدولة مجرد جائزة حرب، ويصبح المواطن مجرد تفصيل، وتصبح الخرطوم ميدان مزاد مفتوح، والدم لغة تفاوض.
لكن أكثر ما يثير السخرية أن السودان، رغم هذا الخراب كله، ما زال يكرر نفس المسرحية. كل نظام يأتي ويقول إنه مختلف، ثم بعد شهور تبدأ الطقوس السودانية المقدسة: حديث عن “التوازن”، و”التمثيل”، و”التنوع”، و”الشراكة”، ثم يظهر فجأة ما صار معروفاً اليوم بـ “الخمسة أو الستة طويلة”. نعم، كل نظام سوداني صار له خمسة أو ستة طويلة، كأنها ركن من أركان الحكم، أو بند خفي في الدستور غير المكتوب. خمسة أو ستة أشخاص يتضخمون فوق الدولة، ويصيرون أكبر من المؤسسات، ويمسكون بمفاتيح القرار، ويصنعون التعيينات والتحالفات والصفقات، ثم حين تسقط البلاد يخرجون بوجه حزين ويقولون: “نحن حاولنا”. بالطبع حاولتم… حاولتم أن تأخذوا كل شيء.
المحاصصة ليست فساداً فقط، بل هي إعلان موتٍ مبكر لفكرة الدولة. الفساد يسرق المال، أما المحاصصة فتسرق المعنى. الفساد يمكن محاربته بالقانون، لكن المحاصصة تقتل القانون نفسه لأنها تجعل القانون تابعاً للتوازنات، وتجعل المؤسسات مجرد ديكور، وتجعل الدولة مسرحاً كبيراً يتغير فيه الممثلون ويبقى النص واحداً: اقتسموا… ثم اختلفوا… ثم انهاروا… ثم عادوا ليقتسموا من جديد.
وإذا كان السؤال: إذا عرفنا الداء فما هو الدواء؟ فالحقيقة أن الدواء ليس في تغيير الأشخاص، لأن السودان يغير الأشخاص كما يغير الفصول، ولا يتغير شيء. الدواء هو قتل فكرة المحاصصة نفسها، وتحطيم هذا الإله السياسي الذي ظل السودانيون يعبدونه باسم الواقعية. الدواء أن نمتلك شجاعة القول إن الدولة لا تُدار بالترضيات بل بالكفاءة، وأن التعيين السياسي في مؤسسات الدولة يجب أن يصبح جريمة لا ممارسة، وأن الخدمة المدنية يجب أن تكون خطاً أحمر لا يُلمس.
الدواء هو بناء نظام إقليمي حقيقي يقتل جشع المركز، ويعيد توزيع السلطة والموارد بعيداً عن الخرطوم حتى لا تبقى العاصمة هي الجائزة الكبرى التي يتقاتل عليها الجميع. الدواء هو جيش واحد لا مليشيات، لأن المليشيا ليست سوى المحاصصة حين تحمل بندقية. الدواء هو دستور صارم يمنع اختطاف الدولة ويؤسس لحكم القانون، لا دستور مليء بالثغرات التي تفتح الباب لكل مغامر جديد.
لكن قبل كل ذلك، الدواء الحقيقي هو أن يتخلص السوداني من السؤال الذي دمّرنا: “أنا حأستفيد شنو؟” وأن يستبدله بسؤال واحد: “السودان حيستفيد شنو؟”. لأن الدولة التي تُدار بعقلية الغنيمة لا تنتج إلا الخراب، وتعيد إنتاج الخراب، وتُعلّم الأجيال أن الوطن ليس وطناً، بل نصيباً.
المحاصصة ليست مرض السودان المزمن فقط… بل هي طريقه المضمون نحو الانتحار السياسي. وإذا لم نقطع هذا الطريق الآن، فسنظل نغيّر الحكومات، بينما الحقيقة أن الحكومة الوحيدة التي تحكمنا منذ الاستقلال وحتى اليوم هي حكومة واحدة ثابتة لا تسقط: حكومة الجشع.




