
سهيبة مريش ،، نيالا البحير
في زمنٍ تتكاثف فيه الغيوم فوق سماء الوطن، وتُثقِل الحرب كاهل الناس بتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية، ينهض في العاصمة الإدارية لحكومة السلام مشهدٌ مغاير، مشهدٌ تتقدمه الإرادة الشعبية وتُزيّنه روح الرجاء. فهنا، لا تُستقبل أيام رمضان بوصفها طقسًا اعتياديًا، بل باعتبارها فعل مقاومة معنوي، وإعلانًا هادئًا بأن الحياة أقوى من الخراب.
تستقبل المدينة الشهر الكريم بخطى ثابتة، رغم وعورة الطريق. في الأسواق، وفي البيوت، وفي تفاصيل الأيام الصغيرة، تتجسد الاستعدادات كأنها طقس جماعي لاستعادة التوازن. ليس الأمر محض تجهيزٍ للمواد الغذائية، بل إعادة ترتيب للروح في مواجهة الفوضى. فمع كل بيت يُعدّ ما تيسر من مؤونة، ومع كل أسرة تتشارك مهام التحضير، يتكرس معنى الصمود بوصفه قيمة يومية لا شعارًا عابرًا.
ومن بين أكثر الرموز حضورًا في هذه الأيام رائحة عصير الإبري، أو “الحلو مرحب”، التي تتسلل إلى الأزقة والبيوت فتُشيع دفئًا خاصًا. هذا المشروب الرمضاني الضارب في الذاكرة الجمعية ليس مجرد شرابٍ يُرتشف عند الإفطار، بل هو طقسُ استقبالٍ للشهر، وعنوانُ ضيافةٍ سودانية عريقة. يُحضّر بعناية، وتتكامل فيه أدوار أفراد الأسرة، فيتحول الإعداد ذاته إلى مناسبة لتعزيز الروابط، وتخفيف وطأة القلق، واستدعاء ذكريات رمضاناتٍ أكثر سكينة.
غير أن بلوغ هذه اللحظة ليس يسيرًا في ظل الحرب. فتعثر سلاسل الإمداد، وارتفاع الأسعار، وصعوبة التنقل، كلها تحديات يومية تواجه الأسر. ومع ذلك، تتبدّى مرونة لافتة في طرائق التكيّف. تُستبدل بعض المكونات، يُعاد ترتيب الأولويات، ويُستند إلى شبكات التكافل الأهلي، حيث يتقاسم الناس القليل ليكفي الجميع. الشباب يتحملون أعباء التنقل والبحث، والتجار المحليون يسهمون بما يستطيعون، في مشهد يختزل معنى التكاتف حين تضيق الخيارات.
ولرمضان بعدٌ اجتماعي يتعاظم في زمن الأزمات. ففي أوقات السلم، يشكل الشهر الكريم موسمًا للتلاقي وصلة الأرحام، أما في زمن الحرب فيغدو الاجتماع ضرورة نفسية، ووسيلة لحماية الروح من الانكسار. موائد الإفطار، وإن جاءت أكثر تواضعًا، تحمل ثراءً إنسانيًا عميقًا. إن اجتماع الجيران حول صحنٍ واحد، بعد أن عصفت بهم أحداث النزوح أو الفقد، ينسج خيوط تضامنٍ يصعب على الشدائد تمزيقها.
العاصمة الإدارية، بصفتها مركزًا إداريًا، تقع على عاتقها مسؤولية إضافية في تهيئة بيئة تسمح باستمرار هذه الطقوس. ورغم محدودية الإمكانات، تبذل السلطات المحلية جهدها لضمان توفر الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وتسهيل الحركة قدر المستطاع. وفي التقاء المسعى الرسمي بالعزم الشعبي يتشكل نسيجٌ صلب، عنوانه الإرادة الجمعية في مواجهة العسرة.
وإلى جانب الاستعدادات المادية، تتعاظم الاستعدادات الروحية. فالصوم، والقيام، وتلاوة القرآن، تبقى ثوابت لا تنال منها اضطرابات الخارج. تتحول البيوت إلى مساجد صغيرة، وتغدو المجالس العائلية حلقات ذكرٍ ودعاء. في هذا الامتزاج بين العبادة والحياة اليومية، يجد الناس ملاذًا داخليًا يعيد ترميم ما تكسّر بفعل الحرب.
هكذا، تمضي العاصمة الإدارية نحو رمضان بإصرارٍ هادئ. ليست البهجة هنا صاخبة، بل عميقة ومتجذرة. في رائحة الإبري، وفي بساطة الموائد، وفي دعوات الأمهات عند الغروب، يتجلى يقينٌ جماعي بأن الليل، مهما طال، لا يحجب فجر الرجاء. إن إحياء طقوس الشهر الكريم، بدءًا من إعداد “الحلو مرحب” وحتى اجتماع الناس حول مائدة واحدة، هو رسالة صامتة مفادها أن الإيمان، والتكافل، وروح الجماعة، تظل أقوى من ركام الحرب، وأن رمضان سيبقى دومًا موسمًا لتجديد المعنى واستعادة الأمل.




